بيت الأدباء والشعراء

كم أنتَ عظيمة يا مصر

بقلم الأديب / يوسف ونيس مجلع

أصدقائي الأحباء، في سلسلة مقالات “كم أنتَ عظيمة يا مصر”، نسلط الضوء على تاريخنا الغني بصفحات ليستُ فقط ناصعة البياض، بل مضيئة بضوء يتجاوز الزمان والمكان، لينير كالشمس من المشارق إلى المغارب. أصدقائي الأحباء، يستعد الشعب السويسري في هذه الأيام للاحتفال بذكرى القديسة فيرينا المصرية في الأول من سبتمبر. ويعترف الشعب السويسري دون خجل، بل بكثير من الفخر، بأن القديسة فيرينا هي التي علمت أجدادهم العناية بالجسد ونظافته، والعناية بالروح ونقائها، ومعرفة الله الواحد، حينما كانوا بربرًا في غياهب الظلام.
تبدأ قصة القديسة فيرينا، التي اسمها يعني “الثمرة الطيبة”، وكم كانت حقًا طيبة تلك الفتاة الصعيدية ذات الثمانية عشر ربيعًا، التي وُلِدَت في قرية جراجوس مركز قوص، عام 280 ميلادية. وقد درست طب الأعشاب الموروث وقواعد التمريض. وحدث أن كانت الإمبراطورية الرومانية بقيادة دقلديانوس وماكسيميان تعاني من الغارات البربرية لقبائل الغال والجرمان، التي هي الآن سويسرا وألمانيا والنمسا. طلب ماكسيميان من دقلاديانوس أن يمدَّه بجنود من مصر، وبالفعل تم تجهيز الكتيبة الطيبية المكونة من ستة آلاف وستِّمائة جندي، بقيادة الضابط موريس. وكانت فيرينا وعدة فتيات ضمن الجناح الطبي للكتيبة. رحلت الكتيبة من طيبة، عاصمة مصر (الأقصر حاليا)، متجهة إلى فرنسا.
وأثناء مرورها بميلانو، تشاء الإرادة الإلهية أن الإيطاليين يدعون فيرينا لتبقى بعض الوقت، كي يستفيدوا من خبرتها الطبية. وهي لا تعلم أن السماء تخبئ لها العمل الذي وُجِدَت لأجله في أوروبا. استمرت الكتيبة في طريقها لإخماد ثورة المتمردين. وكان من عادات الرومان أن يقدموا البخور للآلهة قبل الحروب وبعد النصر. طلب ماكسيميان من الكتيبة أن تقدم البخور للآلهة. لكن الضابط موريس رد عليه قائلاً: “يا سيدي، نحن نخدمك حتى الموت، سواء في الحرب أو في السلام، لكننا لا نستطيع تقديم بخورٍ للآلهة مصنوعة من البشر، لأننا نعبد الله الواحد الخالق لكل شيء”. هنا غضب ماكسيميان وأمر الجلاد أن يمر بين الكتيبة ويقطع رأس كل عاشر. تمَّ ذلك على أمل أن يخاف الباقون ويطيعون. استمر الزبح في الكتيبة، والجنود يزدادوا إصرارًا على إيمانهم حتى استشهدوا جميعًا.
وأثناء ذلك، كانت فيرينا قد لحقت بهم، ورأت المذابح. وارشدها الله بألا تعود إلى مصر، وأن تخدم هذه الشعوب الضالة، فسارت في جبال الألب، حتى استقرت في إحدى الكهوف قرب مدينة زرزاخ. والتف أهل المنطقة حولها وأحبوها لما قدمته لهم من عون طبي وتعليم. وقد قال المؤرخون عنها أنها أم الراهبات في كل أوروبا واستمرت القديسة فيرينا في العطاء بلا حدود، خيرًا بلا مقابل، حتى تنيحت في الأول من سبتمبر عام 344 ميلادية. اشتُهِرَت التماثيل والصور التي صُنعت لها وهي تحمل الإبريق والفلّاية، رمزًا للنظافة. وأحد هذه التماثيل يقع في منتصف الجسر الفاصل بين سويسرا وألمانيا على نهر الراين. ويوجد في سويسرا 70 كنيسة باسمها، و30 في ألمانيا. كما يوجد تمثالٌ لها في مدخل السفارة السويسرية في القاهرة, ويُذكَر في التاريخ فشل جبروت الإمبراطورية الرومانية في غزو تلك الشعوب بالقهر و الحرب، ونجاح الثمرة الطيبة بالعطاء والحب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق