بيت الأدباء والشعراء

أراك عصيّ الدمع خاطرة بقلم علي محمود الشافعي


(أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر ) , شطر بيت ــ يا سادةــ تشدو به سيدة الغناء العربي الراحلة أم كلثوم , للشاعر الفارس البطل المغوار , رب السيف والقلم , أبي فراس الحمداني . وأبو فراس ( لمن لا يعرفه ) شاعر بني حمدان وفارسهم : هو الحارث بن سعيد بن حمدان , ولد عام 320 هـ بمدينة الموصل في العراق , نشا وترعرع في إمارة الحمدانيين , في كنف ابن عمه الفارس الأمير سيف الدولة الحمداني , المؤسس الفعلي لأمارة بني حمدان , فأصبح شاعرنا فارس الميدان وصاحب العقل والشجاعة والرياسة والبيان ، جمع بين قيادة الشعر والقوافي وقيادة العسكر في الفيافي ، له هيبة الأُمراء، ولطف الشعراء ، ومفاكهة الأدباء ، نشأ في هذه الإمارة العربية الصغيرة في( الموصل وحلب ) على تخوم الروم ,هذه الإمارة الصغيرة قدر لها ان تتحمل عبء الدفاع عن شرف الأمة بكاملها إبان ضعف الدولة العباسية . صد هجمات الروم على الحدود الشمالية , حيث قاسي أهل تلك الثغور الويلات بسبب اعتداءات الرومان وغارا تهم , فكم من ثغر أحرق بأهله , وكم من قرية دمرت على رؤوس أصحابها , وكم من امرأة سباها علوج الروم , في هذه الاثناء قيض الله سيف الدولة لهذه الإمارة, لتحمل هذا العبء , فجهز الجيوش , وقاد المعارك بنفسه , على يمينه وبين يديه ابن عمه الفارس الشاعر المغوار أبو فراس وعن شماله الشاعر الفرس المتنبي , حيث خاضوا حروبا طاحنة دفاعا عن شرف أمة انشغل زعماؤها بلعبة الكراسي والمناصب تماما كما هو حاصل في أيامنا هذه , وكأن التاريخ يعيد نفسه , معارك كر وفر فترة طويلة أسر الفارس الأمير أبو فراس في إحداها بعد أن جرح ، وقضى في الأسر سبعة أعوام ثم أفرج الروم عنه بفدية كبيرة .
تقول الروايات ـــ يا دام عزكم ــ أن زوجة ملك الروم علمت بأسر الأمير الشاعر الشاب الوسيم فافتتنت به , ثم دخلت عليه السجن وحاولت إغراءه فاستعصم , فأغرت به السجانين لتسمع أناته وتوسلاته , فلم تسمع , وبقي في السجن يضمد جراح النفس قبل البدن , ولا يصرخ ولا يستجدي حريته ولم يُشمِت به الأعداء , سبع سنين عجاف قال فيها غرر قصائده التي سميت ( الروميات ) , منها القصيدة المشار اليها والتي يقول فيها :
أراك عـصـيّ الـدمـع شيـمـتُـك الـصـبـر أمــــــا للهوى نـــهــــيٌ عــلــيـــك ولا أمـــــــر
بــلـى أنـا مــشــتــاق وعـــنــدي لــوعــةٌ ولــــكـــــن مـــثـــلـــي لا يـــذاع لـــــه ســــــــــر
عصي الدمع ــ أيها السادة ــ تعني عزيز الدمع , أي لا يجعل أحدا يرى دمعه , مهما اعتصر قلبه من ألم , فلا يشمت به شامت , يدوس على الجمر ولا يصرخ , يضمد الجراح ويرقص للموت .
وما أشبه اليوم بالبارحة , إمارة عربية صغيرة على تخوم الروم تنافح عن شرف الامة , وشعب محتل أعزل محاصر من قبل الأهل قيل الأعداء, يتعرضون للسحق والقتل والتجويع, يمنع عنهم الماء والهواء عوضا عن السلاح , يواجهون أعتى قوة استعمارية في العصر الحديث , يدافعون شرف الأمة بصدور عارية , ومجموعة من النساء والفتيات والأطفال تدافع عن مسرى نبي أمة المليار وقبلتها الأولى , فئة قليلة في بقعة صغيرة تقف بصدور عارية إلا من الإيمان , ينافحون عن شرف أمة لا اله الا الله في وجه أعتى وأطغى قوة بالمنطقة , وسط خذلان ومؤامرات وتثبيط الأهل والأحباب , ليبقى نداء الله أكبر يرفع من على مآذن الأقصى المبارك . يُقتلون ويسحلون بدم بارد أمام سمع العالم وبصره ولا معين , يضمدون جراحهم ويدفنون شهداءهم بصمت , يخنقون الألم داخل قلوبهم لا يتأوهون ولا يستغيثون ولا يدعون فرصة لشماتة أحد , في وقت مزّق فيه بنو عرب أوطانهم بأيديهم شر ممزق , وقتّلوا وشرّدوا شعوبهم في بقاع الأرض , بسبب كرسي بال لا يملكون أمر ثباته تحتهم .
أقول : صدقوني !! لو حلّل جنود بني إسرائيل الشيفرة الوراثية لشهداء فلسطين الذين وقعت جثثهم بين أيديهم , أو حللوا جينات كل أمة بني فلسطين , لوجدوا وطنا يسكن قلب أمة , وهل من خوف على وطن مسكنه القلوب ؟ وشواهد التاريخ ــ أيها السادة ــ تثبت ذلك , ألم يحطم غرور نابليون على أسوار عكا ؟ الم يجلس الصليبيون 200 عام ؟ حاولوا فيها تغيير معالم المدن والقرى في فلسطين , بعد أن عاثوا فسادا وإفسادا وتقتيلا وتخريبا وترهيبا , ثم خرجوا صاغرين , وعاد لفلسطين طابعها العربي والإسلامي .
بمناسبة أبي فراس والثغور والأسر المتكرر ــ يا دام سعدكم ــ لي قريب ونسيب , ومن القلب قريب, تراه دائم الضحكة حاضر النكتة , يقطن على الخط الأخضر مباشرة ملاصق لجدار الفصل العنصري , أي ملاصق لأراضي أهلنا في ال 48, هذا الرجل متعهد سجون الاحتلال , ما بقي سجن في فلسطين كلها إلا زاره متنعما بعدالة جيش الاحتلال وكرم ضيافته , أمضي ثلث عمره في غياهب سجونهم ثم خرج , وأصبح كلما أطلِقت رصاصة من الجليل , أو قذيفة من غزة , أو مظاهرة في الشيخ جراح ,أو على مشارف الأقصى المبارك , أو كمين في جنين أو نابلس , أو رشق المستوطنين بالحجارة يستدعى صاحبنا للمؤانسة وتجاذب أطراف الحديث الهيّن الليّن , بكل احترام وتقدير لآدمية الإنسان الفلسطيني , طبعا وسط ترويع الأهل والأولاد والأحفاد . قلت له يوما : قدرك يا أخي أنك على الجدار , تماما كأبي فراس على الثغور , أو كالواقف على أسوار عكا يصد غزوات أصحاب العيون الزرقاء والدماء الزرقاء القادمة من الغرب , قال : اسمع يا أخي
نحن الثغور ونحن السيف والقلم ونحن عكا ونحن البحر والقمم
فأجبته على الفور:
ونحن مسك فتات الأرض من عبق ونحن شاطئها والرمل والأجم
هذي فلسطين تعصو كل مغتصب فيها تبعثرت الآمال والهمم
الروح موئلها والقلب تسكنه من يسكن القلب في العينين يرتسم
تفدي فلسطين أرواح وأفئـــــدة وإن تطلّب فالأجيــــــــال تلتزم
تعصو أحبائي من لا يعرفها : تعني تلحوه بالعصى على قفاه حتى يغور.
سنصمد ــ أيها السادة ــ رغم الجراح , متشبثين بالأرض كأشجار الزيتون والبلوط والسنديان , سنصمد رغم شح الموارد . سنصمد وسننتصر وهذا وعد الله , سننتصر بالحجر والشجر والمقلاع والسكين , سننتصر ولا يضيرنا كيد الكائدين , وتامر المتآمرين , وخيانة الخائنين , وتخاذل المتخاذلين , ستعود حيفا عربية إسلامية , وتعود يافا وعكا , وسيرتفع العلم الفلسطيني ؛ أقول العلم الفلسطيني , العلم الفلسطيني فقط فوق ربوعها , فاعتبروا يا أولي الأبصار . طابت أوقاتكم .
الكاتب علي محمود الشافعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: