بيت الأدباء والشعراء

في بيتنا سنونو قصة قصيرة بقلم علي الشافعي


السنونو ــ أيها السادة الكرام ــ طائر صغير جميل , من فصيلة العصفوريات , يزن حوالي بين العشرين والخمسين غراما . تمتاز طيور السنونو بألوانها المختلفة الجذابة، وأجنحتها الطويلة المدببة، ومناقيرها الرفيعة والقصيرة، ولدى السنونو أرجل صغيرة ضعيفة، ويمتلك بعض أنواعها ذيولًا متشعبة وجميلة , عادةً تكون طيور السنونو البالغة ذات ظهور داكنة وملوّنة بالأخضر أو الأزرق اللّامعَين ، ولها قناع أسود رقيق حول العين وأجزائها السفلية , يتغذى عادة على بعض أنواع الفواكه وثمار أشجار التوت البرّي وبعض الحشرات الطائرة.
السنونو طائر مهاجر , يمر كل عام بالسواحل الفلسطينية , طلبا الدفء والأمان , فيعشش فيها ويرعى صغاره , ثم يتابع سيره في أيلول إلى جنوب القارة الإفريقية , لكن بعضها يعجبه المكان فيستوطن، شانه كشأن كثير من البشر الذين مرّوا بفلسطين فأعجبهم ماؤها وهواؤها وطيبة أهلها ففضلوا البقاء فيها.
نشأنا على مقولة أن هذا الطائر مبارك لا يجوز ذبحه وأكله ، فيعامل كحمام الحرم، أما من أين جاءت هذه المقولة فالظاهر لأنه يحلق فوق الحرم القدسي الشريف بكثرة , فاكتسب تلك الخاصية التي ترمز لكثيرٍ من معاني المحبة والسلام , وكذلك اعتقد البحارة أن السنونو يجلب الحظ السعيد , لأنه ليس من الطيور البحرية , ورؤيته تعني أنهم قريبون من اليابسة.
اعتدنا أن نرى هذا الطائر يطير في الجو على مسافة عالية أحيانا وبأعداد هائلة بهدوء وتؤدة , فيسد عين الشمس قبيل الغروب, كأنه يستمتع بمنظر الأرض المباركة من الجو, بعدما أكل من خيرات بساتينها وارتوي من عذب مياهها . يمتاز بخفة حركته أثناء الطيران البطيء , مما يرغمك على الوقوف لمتابعة تلك الحركات البهلوانية الجميلة .
كنّا صغارا, وكنّا نستلقي على ظهورنا على البيادر نرقب المشهد ونستمتع به, ونأخذ بالعدّ ، لكن الأمر يختلط علينا فنبدأ بالعدّ من جديد , وسط ضجيج الأطفال وضحكاتهم . وأحيانا يمر بسرعة وخفة بين الحواري, يستظل بها من حر الشمس ، ويختار بيتا من البيوت القديمة أو المهجورة , لبناء عشه الذي في العادة ما يكون من الطين اللازب (الصلصال) .
والسنونو تعجبها البيوت الطينية القديمة ويستهويها دفؤها , فتأوي إليها , وتبني أعشاشها . لحسن الطالع عندنا بيت بهذه المواصفات , فهو بيت قديم (عقد ) يستعمل لتخزين المواد الغذائية والحطب ومخلفات الزيتون بعد عصره . في يوم من الأيام لاحظت دخول زوج من هذه الطيور في ذلك البيت , فرحت كثيرا وتمنيت ألا يغادرا البيت وأن يقيما عندنا ضيفين عزيزين مكرمين , وقد كان , ففرحت وأخبرت الأصحاب والأتراب الذين حضروا لمشاهدة الحدث , فغبطوني وربما حسدوني على هذه الحظوة , وكل منهم يتمنى أن يحظى بمثلها , ثم أتيت بيافطة وكتبت عليها الألوان الجميلة (في بيتنا سنونو).
أخذت كل يوم بعد المدرسة أراقبهما عن بعد كي لا ينفرا فيغادرا البيت ,كانا يذهبان إلى الأرض الطينية الرطبة فيأخذان منها بمقاريهما ويلصقانها بإحكام وأناقة ، تماما كمهندسين بارعين. يكوّنان عشا أسطوانيا على الجدار قرب سقف البيت , بفوهة صغيرة تسمح بدخولهما , ثم أخذا يحضران قشا ناعما أشبه الفرو, يفرشانه في الأرضية , وماهي ألا أيام حتى اعتكفت الأنثى داخل العش ,رايتها تغمض عينيها وقد ذبل وجهها , وأخذت تصدر صوتا خافتا كالأنين, وكأنها في المخاض , ــ أعان الله أمهاتنا ــ, بعد يومين تقريبا اشتد عودها , وطارت لاحقة بابي عيالها , اغتنمت فرصة غيابها فأحضرت سلما وصعدت لأرى أربع بيضات صغيرة منمنمة ومزركشة .
واصلت المتابعة عن بعد , فرأيتها تتناوب مع الذكر في الرقود على البيض , بعد أسبوعين ــ يا دام سعدكم ــ سمعت صوت الصغار في العش تصوصو , والأم والأب في عمل دؤوب لجمع الطعام, لسد تلك الأفواه الجائعة ,والبطون الخاوية, طرت من الفرح مرة أخري وجمعت الخلان لسماع تلك الأصوات الشجية, والأفواه المفتوحة بانتظار الرزق .
في يوم من الأيام العبوسة , يوم لفه الضباب واختفت فيه عين الشمس , دخلت البيت كالعادة, وقفت , تسمرت , لا صوتا ولا رفيفا ولا حركة , انتابني شعور بالحزن مختلط بخيبة الأمل , أدركت أن الصغار فد كبرت , وشبت عن الطوق , فلحقت بأسرابها , استعدادا للعودة إلى أرض الوطن , هززت رأسي والدموع تكاد تفر من عيني , وخاطبت نفسي قائلا : صحيح كل زائر إلى بلاده عائد , وكل غريب إلى دياره راجع .
أقول ــ أيها السادة الكرام : هل يأتي يوم وتعود السنونو المهجّرة والمهاجرة من فلسطين وكل بلاد بني عرب إلى ديارها, فيتصافح الخلان وبتعانق الأقران ويفرح الأهل والجيران , وينجلي الضباب عن الوجدان ,ويلتقي الأحباب ويسطع قرص الشمس ويختفي السراب . طابت أوقاتكم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: