بيت الأدباء والشعراء

العلم والأخلاق

بقلم..فاطمة امزيل

 

العلم والأخلاق

**ربوا بنيكم هذبوهم علموا
فتياتكم فالعلم خير قوام **

أجمل ما قيل في إنشاء النشء والعمل من أجل مستقبل وحياة متوازنة، كفة ميزانها أخلاق، والكفة الثانية علم. وهذا التوازن هو ما يدعو إليه الإسلام. وقد أكد الشاعر على تعليم الفتيات، لأن تعليم الذكور كان أمرا مفعولا، بينما يتحفظ الأغلبية الساحقة في أمر تعليم الإناث. تلك معضلة مازلنا نعاني منها في كثير من الشعوب، خاصة الإسلامية، التي تسيء فهم النصوص القرآنية، وتظن أن الإناث كل آفاقهن هي بيت الزوجية وتربية الأولاد والمطبخ. لقد نسوا أو تناسوا أن الفتاة يجب أن تنال حظها من التربية والتعليم، مثل الفتى تماما، وأن ذلك مصلحة للزوج تربية الأبناء والمطبخ أيضا.

الدعوة إلى التربية الحسنة والأخلاق الحميدة هي دعوة عقدية بالدرجة الأولى، وشرط أساس لنيل رضا الله وبلوغ الجنة، والدعوة إلى العلم والتعلم أيضا دعوة عقدية، وبها استهلت العقيدة الإسلامية. فأول ما نزل من القرآن الكريم هو ” اقرأ “. ولا مجال لرد أمر الله أو التغاضي عنه. فكتابنا القرآن، وخلق القرآن وأنزل على نبينا الكريم ليُقرأ، ولا يمكن للفتاة أن تقرأه إذا لم تتعلم القراءة والكتابة. لا يمكن تدارس القرآن وفهم أعمق معانيه وأحكامه وأمثلته وأبعاده العقدية، إذا لم تكن تحسن القراءة وعلى درجة ولو متوس كل ة من العلم.

لتحقيق توازن تلحياة اابد من التربية والتهذيب، وهي كفة الأخلاق. والأخلاق أقوال وأفعال ومعاملات ظاهرة وباطنة. أي أنها نفسية سلوكية.
الأخلاق لا تعني أن تتصرف التصرف الحسن فقط، بل أن تحدث النفس وتضمر ما هو حسن. فكل تصرف أو حديث نفسي أو علني سيء، هو لا أخلاقي، وهو دليل سوء الأخلاق.

الأخلاق تكتسب، وتنتقى، ونعمل على ترسيخها والتطبع بها بفعل التربية. والتربية هي العناية والحرص الشديد على الأمر أو الشيء حتى لا نفقده ،وجعله دليلا في أنفسنا وقوام شخصياتنا.
إنه الأدب، الذي يجمع بين الأخلاق والمبادئ والسلوك القويم واللغة الخالية من الشوائب، وحب الخير للجميع. لقد كان لنا في محمد صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في الأدب والتأدب مع الناس ومع الله. قال صلى الله عليه وسلم: ” أدبني ربي فأحسن تأديبي “. فكان أساس الديانة الخاتمة الدعوة إلى الأخلاق كأساس اجتماعي وعقدي.
قال تعالى: ” وإنك لعلى خلق عظيم “. ليكون محمد النبي الرسول الصادق الأمين أيقونة الأخلاق ونبراس الأدب والعلم.
قال صلى الله عليه وسلم: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “.
سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟، فقال: ” تقوى اللهِ وحُسن الخُلق “. أي أن حسن الخلق نجازى عليه بدخول الجنة، ذلك أن الدين المعاملة، والمعاملة تتطلب منا حسن الخلق.

الاخلاق الحميدة، تقوي العلاقات بين أفراد المجتمع الصغير الذي هو الأسرة والعائلة، والكبير الذي هو اهل مدينتك ووطنك والعالم بأسره، فتزيد الثقة بين الناس، ويصبح الإنسان مؤمنا بأن أخاه لن يغشه ولن يكذب عليه ولن يخونه ولن يخذله ولن يغتابه ولن يبخسه حقه ولن يولي له ظهره ولن يفضح سره ولن .. ولن .. ولن ..، فيطمئن إليه وتتقوى علاقته به، وانطلاقا من ذلك، يصبح المجتمع المحصن بالأخلاق، متمتعاً بالأمانة والنزاهة والإخلاص، فتقوى أواصر المحبة والمودة بين أفراده.

وأجمل ما في الموضوع، أنه بارتباط العلم والأخلاق تزدهر المجتمعات وتتطور الحضارات، وتنتعش الثقافة الإنسانية. ونجد أن العلماء مهما ارتفعت درجات علمهم، يتصفون بالأدب والأخلاق الحسنة، ذلك أن العلم ينير الفكر ويهذب التصرف في الإنسان، ولإدراك العالم بعض حقائق الأشياء، يرى الكون بسيطا والحياة لا قيمة لها إلا بالأثر الذي يخلد في القلوب السليمة، وهذا الأثر هو التواضع وحسن المعاملة والصبر الجميل.

الأخلاق إذن، هي أساسا مهم للعلم، كما أنها تميز الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى، وتميز صاحبها عن غيره من الناس. وذو الأخلاق الطيبة، يكون له تقديره واحترام بين من يحيطون به ويتعاملون معه، وتزداد مكانته رفعة إذا زين لباس الأخلاق ببرنس العلم. ويقينا، إذا اقترن العلم بالخلق، تجد المرء يقوم بكل ما عليه بمجبة وإتقان.

ومن أجمل المقولات عن العلم والأخلاق، أن العلم والأخلاق هما من أهم المصادر الأساسية للسعادة في الحياة. لقد خلق الله سبحانه آدم وعلمه الأسماء كلها، أي أنه علمه أسماء الأشياء كلها، ذواتها وصفاتها وأفعالها كما قال ابن عباس: ” حتى الفسوة والفسيه “. يعنى أسماء الذوات والأفعال، فكانت الأسماء هي الأصل والأفعال مشتقات عنها. ويعني بالأسماء جواهرها، فتكون هي زرعة العلم وشتلة الحكمة وفتيلة الأخلاق.
قال عز وجل: ” قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ” سورة البقرة الآية 32. وكلمة علم هنا عميقة جدا ومتشعبة جدا، ولا سبيل لتدارسها بسطحية. فكل الفكر الإنساني، كان أساسه ما علمه الله لآدم من أسماء كانت بداية تعلم آدم وبذرة علمه التي ستتجذر وتتفرع وتنشيء الفكر والعلم الإنساني، والذي هو شعاع من علم الله عز وجل. فهذا العلم مهما تطور وكبر، يضل نسبيا، لأن العلم المطلق والمتصف بالكمال هو العلم الإلهي.

الله سبحانه يقدر علمنا البسيط هذا، واجتهادنا فيه، ويشجعنا على البحث والدراسة، باعتبار العلم يخدم الفكر، ويحقق الرفاهية ويفتح المغالق، ويسهل سبل الحياة البشرية، شريطة ان لا يتناقض مع المبادئ والأخلاق، ولا يمس بالعقيدة الكونية.
قال تعالى: ” يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات “. فكلما ارتقيت في العلم، ارتقيت عند الله درجات، وكذلك بين الناس، شرط ان يكون علمك بناء ومصلحا ومقوما وخدمة للإنسانية في علاقاتها الدينية والدنيوية.

وقال عز وجل: ” لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ “. سورة آل عمران الآية 164.
فهناك تعلم الكتاب وهو القراءة والكتابة لتعاليم الله وما يملي علينا من علوم ومعارف مادية ومعنوية، مجردة ومحسوسة وملموسة، والحكمة كشتلة العلم التي تتشجر وتتفرع وتورق وتزهر وتعطي ثمارا نافعة، لتحقيق الهداية والدراية وتبيان الفصول والحدود، والواجب والمستحب، والحلال والحرام، والظلمات والنور.

وقال صلى الله عليه وسلم: ” خيركم من تعلم العلم وعلمه “. فالعلم والأخلاق أيضا، ليسا حكرا على شخص معين، ولا على طائفة دون أخرى، ولا على الرجال دون النساء، ولا على قوم دون قوم. العلم له منابع يستقي منها الجميع دون تميز، وهو لباس الأخلاق،فهو كالماء، يشربه الجميع كسر من أسرار الحياة، والأخلاق هي ذلك المكان المرتفع الذي يعكس عليه نور العلم. أقول هذا، لأنه ليس بإمكان كل الناس، وإن استقوا العلم، أن يكونوا علماء وحكماء، ولكن بإمكان كل الناس أن يكونوا متخلقين.

الطامة الكبرى التي نعيشها الآن، أن العالم بأسره، ولا أخص أهل الذمة، أصبح ينشد الإنحراف، والنزوع إلى الماديات الهجينة، والعولمة المهدمة، وتملص من الأخلاق، من العقيدة والنهج القويم، من العلم البناء، ليحتضن وبقوة عمياء، كل أنواع الفساد الأخلاقي والاجتماعي والعلمي والفكري. كل المبادئ والأخلاق أصبحت تخلفا ورجعية، وكل العلوم السامية والهادفة التي طهرت العقول والقلوب والجيوب، أصبحت بلا قيمة ولا وزن ولا مكانة. دفنوا شرع الله وسنته في حلقه في زاوية، وتركوه ينادي الصم البكم الذين لا يعقلون. واعتنقوا شرع إبليس الذي يحطم كل ما هو جميل، ويقدم الخبث والضلال والفساد في قالب مزركش بالألوان، ومزخرف بالأنوار، مفعن بالعطور، فارغ من القيم والأسرار الكونية، والمنفعة الإنسانية.
قال تعالى: ” يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ” سورة النساء الآية 120.
ولن يكون مصير هؤلاء الحالمين الهائمين أتباع الشيطان، سوى الفشل والخذلان.
قال تعالى: ” وكان الشيطان للإنسان خذولا ” سورة الفرقان الآية 29.

لن تتخلص الإنسانية من ويلات العلم اللّا أخلاقية، إلا إذا تشبثت بما هو روحي، وسارت على منهج الخلق القويم، وطريق الحق والعدل والخير.
يقول المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ رشدي فكار: ” لن يستطيع المجتمع الإسلامي أن يقدم للعالم طائرات أسرع ولا طرقا أنعم ولا سيارات أجود ولا صناعة أفضل؛ لكن بإمكان المجتمع الإسلامي أن يقول للعالم: سأعطيكم إنسانًا أكثر توازنًا واعتدالاً، أبر برًّا وإحسانًا، إنسانًا يرتبط بمبادئه، يهاب ويخشى خالقه، إنسانًا يحترم الإنسان ويعمل لإسعاده، لا الارتقاء بناطحات السحاب واستنزاف الخيرات وتلويث البيئة “.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا “. والفقه هو العِلم.
وقال الله تعالى في كتابه المبين: ” قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ” سورة الأعراف الآية 33.
ويعني الفواحش التي تتعلق بحركات البدن، والتي تتعلق بحركات القلوب، كالكبر والعجب والرياء والنفاق، ونحو ذلك، والذنوب التي تؤثم وتوجب العقوبة في حقوق اللّه، والبغي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فدخل في هذا الذنوبُ المتعلقةُ بحق اللّه، وبحق عباده،
وَالشرِك بِاللَّهِ ما لم ينزل به حجة أو برهانا أو دليلا، بل هو أنزل الحجة والبرهان والدليل على التوحيد. والشركُ أن تشرك مع اللّه في عبادته أحدا من خلقه. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه. كل ذلك حرمه اللّه، ونهى العباد عنه، لما فيه من فساد، وظلم وافتراء على اللّه، وعلى عباده، وتغيير لدينه القويم.

وقال تعالى: ” قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ “. سورة الزمر الآية 9.
قطعا لا مجال للتساوي بين عالم وجاهل، ولا بين حتى عالم وعالم، فالعلماء يسدون ثغرات بعض، لا يمكن أن يعلم الإنسان كل شيء، فمن علم شيئا غابت عنه أشياء، والتفاوت في العلم، لا يعني القصور في الاجتهاد والعمل لتحقيق هذا العلم، ولا نقصان في الحكمة، أو شرود أخلاقي في تمرير المعلومات، وإنما هو سر رباني لتحقيق التكامل النسبي في القضايا والأطروحات والبحوثات العلمية.

غفر الله لي ولكم وهدانا سواء السبيل، وجعلنا ممن يستمعون إلى القول فيتبعون أحسنه، ولا يبخسون العلم والفضائل مثقال ذرة.

فاطمة امزيل سفيرة المحبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: