بيت الأدباء والشعراء

ذكريات داعبت فكري

قصة قصيرة بقلم علي الشافعي


أفرز الاحتلال للضفة الغربية -وهي أكبر التجمعات السكانية في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام ٦٧- أفرز واقعا جديدا واستحقاقات لم يعهدها الناس ولم يشهدوا مثلها من قبل . واقعٌ جديد فيه من المرارة والألم والإذلال بمقدار ما فيه التحدي والصمود والتشبث بالأرض ،
كدّ وتعبٌ ونصب وشقاء من أجل ممارسة الحياة اليومية، وسعيا وراء لقمة العيش المغمسة بالدم والعرق والتراب. فبعد أن وطد الجيش أركانه بقوة السلاح منتشيا بالنصر على جيوش بني عرب أمعن بالغطرسة والإذال وفرض نظام الأمر الواقع .
استحقاقات جديدة ومعاناة يومية دائمة وعراقيل وتضييقات وعربدات ، فهو المنتصر ، وللمنتصر صولات وجولات. ما هذه الاستحقاقات يا رعاكم الله ؟سأقول لكم بعد أن توحدوا جبار السماوات، وتصلوا على رسوله خاتم الرسالات :
وجد الفلسطينيون أنفسهم بين عشية وضحاها وقد أغلقت الحدود الشرقية مع الأردن -شريان الحياة بالنسبةلهم- وجدوا أنفسهم في سجن كبير، وأنهم فقدوا الاتصال بالأهل شرقي النهر ودول الاغتراب، ففُرِّق بين الأخ وأخيه والأب وبنيه. والطامة الكبرى أن من كانوا خارج فلسطين عشية الحرب فقدوا الهوية الفلسطينية والجنسية ، وأصبح على كلٍ منهم أن يبحث عن هوية جديدة حسب البلد التي هو فيها ، مع وجود اتفاق بين الدول العربية بعدم تجنيس الفلسطينيين حفاظا على هويتهم، عدا الأردن طبعا فأهل الضفة فهم أردنيون بموجب قانون الوحدة ، ووقع بقية الفلسطينيين في حيص بيص تحت رحمة الدول التي هم فيها، وأخيرا وبعد معاناة اتفقوا!! فمنحوهم وثائق مؤقته؛ فأبناء غزة مُنِحوا الوثيقة المصرية ، ومن سكنوا سوريا الوثيقة السورية وهكذا العراقية واللبنانية واللبية وغيرها، وأُعطينا نحن سكان الضفة هوية تحت مسمى قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي ، والتي أصبحت فيما بعد الجنسية الفلسطينية.
وجد الناس أنفسهم أيضا منقطعين عن الدولة المركزية التي يرتبطون معها بمصالح كثيرة لتصريف الأعمال اليومية كالأحوال المدنية والتعليم والصحة والتجارة البينية ورواتب الموظفين والوثائق الرسمية ومنتجات التصنيع بين رئتي النهر والمنتجات الزراعيةالتي كانت تُصدّر عبر الأردن إلى دول الخليج ، إصافة إلى حاجة الأهالى الى التواصل ،ثم مشكلة طلبة الثانوية العامة ودراستهم خارج الضفة الغربية .وبعد معاناة تدخّل الصليب الأحمر وحكومة المملكة الأردنية للضغط على إسرائيل لإيجاد آلية معينة تسمح للناس بالتواصل والتنقل عبر ضفتي النهر، فابتدع الاحتلال تصاريح السفر في رحلة من أعقد وأتعب وأذل رحلات السفر في العالم، والتي أقل ما يقال عنها أنها تفتقد إلى المعاملة الآدمية، رحلة كلها إذلال واحتقار وخوف وترقب وتوتر؛ من ساعة وقوفك على شباك مراكز الاحتلال لتقديم طلب التصريح الذي يسمح لك بالمغادرة المؤقتة للضفة، مرورا بالرحلة الشاقة إلى المعبر والوقوف بالطوابير في السيارات ومنع مغادرتها، إلى شباك ختم التصاريح، ثم السماح بالمغادرة، وهذا لا يعدل سمسمة في بحر الإجراءات في رحلة العودة إلى الأرض المحتلة . على عكس ما يقول المثل، فالخارج مفقود والداخل مفقود ، وعلى رأي طيب الذكر عبد الحليم حافظ مفقود مفقود مفقود.
في رحلة العودة -أيها السادة الكرام – والتي تبدا فور عبور الجسر الخشبي على نهر الأردن وقبل وصول نقطة التفتيش الرئيسة يصعد الحافلة عسكري حدث أو مجندة سلاحها أطول منها وبلغة الأمر بلكنةٍ غير عربية : يلا يلا كله بنزل كله بنزل ، فينزل الجميع حاملين تصاريحهم فقط بأيديهم، فيبدا التفتيش الأوليّ ويبقى الجميع بما فيهم النساء وكبار السن والأطفال واقفين بالطابور في حرارة شمس الغور ، ساعة ساعتان وربما أكثر حتى يأذن مأمور المعبر بالدخول فيصعدون الحافلة إلى نقطة التفتيش والجمارك ، وهناك -يا سادة – لا يمكن للسان بشري أن يصف تلك المعاناة : هناك تتفرق العائلة ،لا يرون بعضهم إلا بعد الانتهاء من التفتيش والجمارك. يصطف الرجال ناحية والنساء والاطفال ناحية، ويبدأ أولا التفتيش الجسماني : يدخل الرجال بما فيهم كبار السن والعجزة فردا فردا إلى غرفة مساحتها م٢ ،يخلع كلٌ ٌملابسه إلا السروال الداخلي ويخلع الحذاء ثم يدخل عسكري بسلاحه يفتش كل خلية في جسده وإمعانا في المذلة يضع الحذاء مع العقال في صندوق ويرسله للفحص ، ثم يسمح له فيلبس ملابسه ويخرج حافيا بانتظار أن يأتي الحذاء فيتمم بقية إجراءات الدخول ، وكذلك الأمر بالنسبة للنساء تدخل مجندة فتقوم بنفس الفعل، ولا يسمح بدخول المواد الغذائية حتى حليب الأطفال ، أظن الأسر التي عايشت تلك الفترة مازالت تذكرها وتروي تلك المعاناة للأبناء والأحفاد . بعد ذلك يأتي دور تفتيش الملابس والأمتعة فتفتش قطعةً قطعة من قِبَلِ علْج زنيم ، أمام الجميع بما في ذلك الملابس الداخلية حتى النسائية، أرأيت أكثر من هذا القهر والإذلال ، ومع ذلك كنا نقول الوطن يستحق التضحية، ونحن باقون على أرضه مهما كلفنا الثمن.
نأتي لدور الاستحقاق الثاني وهو لقمة العيش: أذكر أنه وبمجرد سقوط الضفة وإغلاق الحدود الشرقية ارتفعت أسعار المواد الغذائية ارتفاعا جنونيا واستغل التجار الفرصة، فارتفع رطل الدقيق من ١٠قروش قبل الاحتلال إلى ٤٠قرشا في الوقت الذى كان العامل إذا وجد عملا يتقاضى أربعين قرشا ، ومما زاد الطين بلة الرواتب قد منعت عن الموظفين ، ولم يسمح الاحتلال بدخولها من الأردن بادئ الأمر، فاضطر الناس أن يطحنوا الشعير ويصنعوا منه الخبز، ويكتفوا بالنزر اليسير من الإدام . كان الأمر غاية في الصعوبة على أهل المدن والمخيمات وأقل صعوبة في القرى والبادية لاعتمادهم أصلا على الأرض وخيراتها.
تنبّه دهاقنة السياسة عندهم -فيما بعد – لهذا الأمر ففتحوا الحدود الغربية، وأغرقوا السوق الفلسطينية بالبضائع الإسرائيلية وخاصة المواد الغذائية والخضار، فأصبحت تباع بسعر أقل من سعر التكلفة في الأراضي الفلسطينية، وسمحوا بالعمل داخل الأرض المحتلة عام ٤٨ (الخط الأخضر) ، مما أجبر المزارعين والعمال على هجر الأرض شيئا فشيئا والالتحاق بسوق العمل في الداخل وبأجر ضعف الأجرة التي كانوا يتقاضونها في الضفة قبل الاحتلال فتقاطر عمال اليومية والفلاحون إلى الداخل المحتل كل حسب مهنته، يعملون في أراض كانت بوما ما ملكا لهم، سلبت في غفلة من الزمان وتآمر القريب والبعيد، وكما تعلمون فالجوع كافر، والطفل عندما يصرخ من الجوع لا ينتظر التسويف ، ورب الأسرة مجبور على العمل في أي شيء وعند من يكون . فصرنا نرى أمام أعيننا أقراننا من الطلبة أجبرتهم ظروف الحياة ترك مقاعد الدراسة والالتحاق المبكر بسوق العمل، لينضموا لطوابير المجهّلين عنوة لتامين لقمة العيش.
أما الاستحقاق الثالث-يا دام عزكم- والذي أصبح ديدن حياتهم اليومية فهو المنع المتكرر للتجوال بذريعة الإجراءات الأمنية. ففي بداية الاحتلال نشط العمل الفدائي ، واخذوا يدخلون من الدول المحاذية لفلسطين المحتلة ، يختبئون في الكهوف والمغارات حتى تحين الفرصة فينفذوا عملياتهم الفدائية ،والويل كل الويل للقرية أو المدينة القريبة من مكان تنفيذ العملية، وكل من يثبت من أهلها مساعدته للفدائيين تهدم داره ويغيب السجن . أذكر يوما شديد الحرارة من أيام تموز – قبيل الظهيرة -بدأت الحوّامات تحوم فوق البلدة ،عقبتها مكبرات الصوت بمنع التجوال والسماح لعمال المزارع حوالي ساعة للعودة إلى منازلهم ، والرجال فوق الخامسة عشرة التجمع في ساحة القرية.
دخل بعض الجنود منازل القرية الخالية إلا من النساء والأطفال ففتشوها وعاثوا في أثاثها فسادا ، بحثا عن المقاومين أو السلاح ، وأوقفوا الرجال في الساحة تحت أشعة الشمس مع الاعتداء عليهم بالضرب تارة وتارة بالسباب حتى المساء ، اعتقلوا البعض وافرجوا عن الباقي، لنعلم منهم أن معركة دارت بين الفدائيين وبين قوات الاحتلال في محيط الجبال حول البلدة ، قتل فيها ضابط وستة جنود وأفلت المقاومون، فتوقعوا أنهم احتموا بالبلدة ، ففعلوا ما فعلوا . أذكر يومها أنهم هدموا أحد بيوت القرية بحجة مساعدة إهله للثوار ، وفي إحدى القرى الملاصقة هدموا سبعة منازل لنفس السبب .
اعتدنا بعد ذلك على هذا الأمر واصبحنا نتفاءل كلما سمعنا مكبرات الصوت تنادي بمنع التجوال فصار الأطفال يخرجون مقلدين ذلك الصوت، متمنين الخسائر الكبيرة في صفوف المحتلين، ومباركين تلك العيون الساهرة وأياديها على الزناد .
وبعد ايها السادة الأفاضل فقد مرت أعوام وأعوام وتعاقبت أجيال وحصلت اتفاقات ومحاولات قاربت لحد الان على ثلاثين عاما لم ننتزع من براثن المحتل شيئا ، بل قضم المستوطنون أغلب أراضي الضفة ، واقاموا عليها مئات المستوطنات ، حتي المدن الكبرى كالقدس والخليل لم تسلم من أذاهم؛ حيث أقاموا في بعض أحيائهما بعد طرد الأهالي منها، وقسّموا المسجد الإبراهيمي الشريف، ويحاولون مع المسجد الأقصى، وينكلون بالأطفال والنساء والشيوخ ويودعون الشباب السجون ، لطمس معالم الهوية الفلسطينية ، تحت سمع العالم، والأخوة من قريب أو بعيد.
والان ما رايكم دام فضلكم؟ هل نجحوا ؟ هل أوجدوا جيلا نسي القضية . طابت أوقاتكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: