دنيا ودين

أخطر حصار اقتصادي على المسلمين في العام السابع للبعثة

صفاء حامد

لم تفلح قريش في تحقيق أهدافها في القضاء على الدعوة لا بالشدة ولا بالتفاوض، فجمعت أمرها على العودة إلى التصعيد بعد أن تأكدت من ثبات النبي صلى الله عليه وسلم على موقفه، ولجأت لأسلوب الحصار والمقاطعة العامة للمسلمين ولمن يتعاطف معهم.

اشْتَدَّ الْحِصَارُ، وَقُطِعَتْ عَنْهُمُ (المسلمون وحلفاؤهم) الْطّعَام وَالمَادَّةُ، فَلَمْ يَكُن الْمُشْرِكُونَ يَتْرُكُونَ طَعَاماً يَدْخُلُ مَكَّةَ، وَلاَ بَيْعاً إلاَّ بَادَرُوهُ فَاشْتَرَوْهُ، حَتَّى بَلَغَهُمْ الْجَهْدُ، وَالْتَجَأُوا إِلَى أَكْلِ الْأَوْرَاقِ وَالْجُلُودِ، وَحَتَّى كَانَ يُسْمَعَ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ

أَصْوَاتُ نِسَائِهِمْ وصِبْيَانِهِمْ يَتَضَاغَوْنَ مِنَ الْجُوعِ، وَكَانَ لَا يَصِلُ إِلَيهُمْ شَيْءٌ إلاَّ سِراًّ،  وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ فِي السِّلْعَةِ قِيمَتَهَا حَتَّى لَا يَسْتَطِيعُونَ شِرَاءَهَا؛  وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يَخَافُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ إِذَا أَخَذَ النَّاسُ مَضَاجِعَهُمْ يَأْمُرُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَرَى ذَلِكَ مَنْ أَرَادَ اغْتِيَالَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ يَخْرُجُونَ فِي أيَّامِ الْمَوْسِمِ فَيَلْقَونَ النَّاسَ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الْإِسْلاَمِ».[الرحيق المختوم للمباركفوري ص:97 – 98 ].

الإتفاق على الصحيفة

لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم ، فكان هو وحمزة بن عبدالمطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الإسلام ينتشر  في القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطّلب، على أن لا يُنْكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم عَلَّقُوا الصحيفةَ في جَوف الكعبة توكيداً على أنفسهم، وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بن عِكرمة بن عامر بن هاشم بن عَبْد مناف بن عبد الدار بن قُصَيٍّ.

فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطّلب الى أبي طالب بن عبد المطلب فدخلوا معه في شِعْبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لَهب عبد العُزّى بن عبد المطّلب إلى قريش فظاهرهم [سيرة ابن هشام ج1 ص:351].

وقد اتخذ قرار الحصار والمقاطعة في شهر ذي الحجة، وهو من الأشهر الحرم التي كانت تعظمها العرب وعلى رأسهم قريش، وهو ما يؤكد الفشل الذريع للمشركين في إسكات صوت الحق وإطفاء نور الدعوة الإسلامية.

معاناة تستمر ثلاث سنوات

جراء الحصار والمقاطعة؛ دخل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهله وذووه من غير المسلمين مرحلة معاناة شديدة لا عهد لهم ولا للعرب بمثلها، فقد حُرموا من الطعام في موطنهم، ومُنعوا أن تصل إليهم الميرة من خارج مكة، وإذا حاول بنو هاشم شراء ما يسدون به رمقهم؛ كانت قريش تزيد عليهم في سعره حتى لا يستطيعوا شراءه، فلم يكن يصلهم من الطعام إلا القليل الذي يسرب إليهم خفية. وقد بلغ الجهد بالمحاصرين حتى كانت تسمع أصوات النساء والصبيان يصرخون من شدة ألم الجوع. واضطر المحاصرون إلى أكل أوراق الشجر والجلود. وقد استمرت هذه المعاناة ثلاث سنوات.

شَعُر هشام بن عمرو – وكان رجلا واصلا ذا شرف في قومه – بجور الصحيفة، وبجور ما أقدمت عليه قريش من عمل ينافي عادات العرب وأعرافهم في الوفاء بحق الرحم، فأخذته الرأفة على بني عشيرته من بني عبد مناف لما يكابدونه من شدة وجوع، فبدأ يحمل الطعام إليهم سرًّا إلى شعب بني طالب؛ ثم قرر أن يستعين برجال آخرين من بني مخزوم ليقنعهم بضرورة فك الحصار الظالم.

عندها «قام خمسة من أشراف قريش يطالبون بنقض هذه الصحيفة الظالمة، وهم: هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث العامري… وزهير بن أبي أمية المخزومي ابن عمة الرسول صلى الله عليه وسلم عاتكة، والمطعم بن عدي النوفلي، وأبو البختري بن هشام الأسدي، وزمعة بن الأسود الأسدي واتفقوا على ذلك ليلا، فلما أصبحوا غدا زهير… فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنوا هاشم والمطلب هلكى لا يبيعون ولا يبتاعون! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة…

لكن هؤلاء الرجال الفضلاء وجدوا معارضة شديدة من كبار المشركين، وعلى رأسهم أبو جهل. فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأرضة – وهي حشرة بيضاء مُصفرَّة تشبه النملة، تأكل الخشب والحبوب ونحوهما كالأوراق – قد أكلت الصحيفة، ولم تترك منها إلا ما فيه اسم الله، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب بذلك، فأسرع أبو طالب إلى كفار قريش ليخبرهم بذلك. لم يبق أمام زعماء مكة من خيار إلا نقض الصحيفة وإنهاء المقاطعة. فخــرج بنو هاشم و بنو عبد المطلب ومن انضم إليهم من المسلمين من شعب أبي طالب تغمرهم الفرحة. محَّص الله المؤمنين، وثبتهم فلم تلن عزائمهم ولم تتوقف دعوتهم إلى دين الله رغم المقاطعة والحصار.

وأخيراً، وبعد ثلاث سنوات من الحصار، ظهرت المعجزة الإلهية، فجاء النبي (صلى الله عليه وآله) إلى عمه أبي طالب، وأخبره بأن الأرضة قد أكلت كل ما في الصحيفة، ولم يبق فيها إلا ما كان إسما لله تعالى.

 

فجاء أبو طالب ومعه بعض الهاشميين إلى قريش، وقال لهم، وقد ظنوا أنه جاء مستسلماً لهم، ابعثوا إلى صحيفتكم لعله يكون بيننا وبينكم صلح فيها، فبعثوا وأتوا بها، فلما وضعت وعليها أختامهم، قال أبو طالب لهم: أتنكرون منها شيئا؟

قالوا: لا.

قال: إن ابن أخي حدثني ولم يكذبني قط، أن الله قد بعث على هذه الصحيفة الأرضة، فأكلت كل قطيعة واثم، وتركت كل اسم هو لله، فإن كان صادقا أقلعتم عن ظلمنا، وإن يكن كاذبا ندفعه إليكم فقتلتموه.

 

وتجلت في هذا الموقف حكمة أبي طالب، وحنكته العالية، حيث ألزم قريشا بموقف صعب، لا يمكنها التملص منه ومن مفاعيله وتبعاته، وظنت قريش أنها حصلت على ما تريد، فصاح الناس: أنصفتنا يا أبا طالب.

 

فلما فتحت الصحيفة فإذا هي كما أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكبر المسلمون، وبهت المشركون، فقال أبو طالب: أتبين لكم أينا أولى بالسحر والكهانة؟.

 

فأسلم يومئذ كثير من الناس كما يذكر الرواة، ولكن قريشا ظلت على موقفها ونقضت اتفاقها مع أبي طالب (عليه السلام)، حتى جاء بعضهم ونقضوا الصحيفة، فخرج الهاشميون من الشعب

صفاء حامد

الحياة لا طعم لها بلا أمل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: