بيت الأدباء والشعراء

مدارات الحب والظلم في رواية «أنا مّي زيادة»

بقلم الأديبة / سعدية العادلي

ما أقساها صرخات الصمت، حين نتألم ويترنح اليأس فارضًا صمتاً أشد قوة، يودي بضحيته إلى الاكتئاب، مرض لعين يسلب تلك الضحية الإحساس، يبدو حزيناً، مسلوب الإرادة، لا يملك لنفسه حق اتخاذ القرار.
وكما أحزنني طنين د. عزوز إسماعيل في رواية «طنين» فقد أبكاني اكتئاب الأديبة مّي زيادة، في رواية الأديب علي حسن «أنا مّي زيادة» فتاة على هذا القدر من العلم والثقافة، صاحبة صالون تاريخي كان يؤمه مثقفو عصرها من الأدباء والشعراء والسياسيين.
كانت مقصدًا ثقافيًا رائعًا فاعلاً بصدق وموضوعية، وقبلة العشاق والحالمين، ساندت طه حسين في قضيته الكبرى «نحل الشعر» بإيجابية يعجز عنها الرجال، تعدد فيها الجمال، فتعدد محبوها ومريدوها، كل يرى فيها جمالاً يعشقه، جمالاً رائقاً يمتزج فيه الحب بالروح والخيال.
عاشت فراشة تعشق الحرية وكان حبها محرابًا للخيال والإبداع، حبا يجهله معظم الرجال.
تجرعت آلام الفقد، الأب، الأم، والحبيب «جبران خليل جبران» أحبته بملائكية صوفية، وبادلها الحب وتبادلا أجمل رسائل العشق والغرام بالروح نفسها، لم ير كلاهما الآخر، ولو تمنا اللقاء، لكان من السهل والميسور أن يلتقيا ولكنهما أثرا وعد القلوب ولقاء الأرواح، آثرا أن يثمر هذا الحب إبداعاً تتناقله الأجيال وحفلت به المنتديات وخلده التاريخ.
ما أظن أن «هدى شعراوي» أم المصريين صاحبة التاريخ الاجتماعي الإنساني والسياسي، تعجز عن حل مشكلة «مّي زيادة» ولا عميد الأدب العربي طه حسين، ووزير الأوقاف في هذا الوقت «مصطفي عبد الرازق» كل هؤلاء وغيرهم اجتمعوا على قول واحد «نحن نحترم خصوصيتها ورغبتها في الانعزال وما علينا إلا أن نترك قريبها ونسيبها الذي استنجدت به يقرر معها ما يرونه خيراً لها ولمستقبلها، ثم نتابع عن كثب ما يقررانه.. «رواية أنا مّي ص239»
ويعلم صاحب العبقريات عباس محمود العقاد أن مأساة «مّي تكمن في أنها لا تهتم بصحتها وراحتها، فقد كانت عنيدة لا تبالي بصحتها، ومزاجها الذي كان يسوء يوماً بعد يوم وكم حذرتها هدى شعراوي من تبعات ذلك، وكم قالت لها: «ماذا تظنين وأنت تهملين نفسك وصحتك هذا الإهمال؟» أتظنين أن العالم العربي يجفل من احتجاجك الصامت هذا، ويجلس للبكاء عليك. أو للضراعة بين يدك؟ التفتي إلى نفسك.. التفتي إلى مصلحتك وإلا فأنت البالية وحدك لما يصيبك من هذا الإهمال وهذا العناد» ص238
وقال العقاد: «إن مّي رقيقة، بل قل شديدة الرقة وحساسة بل علينا أن نقول إنها بالغة الإحساس، مرهفة الشعور، كالوردة، يضرها أن تلمس وجنتيها بأناملك لكن مّي في النهاية امرأة قد يصيبها ما يصيب كل أنثي من وحدة، وما غياب الزوج والأسرة إلا القشة التي قصمت ظهرها، فعلاً شخَّص العبقري صاحب العبقريات أين يكمن الداء.
أما شاعر القطرين «خليل مطران» فأكمل قائلا: من يعرف فتاة أتمت حياتها بغير زوج ودون أي اضطراب فليدلنا عليها. هذا هو ناموس الكون وما الزوج إلا سكن لزوجته، وما الأسرة وما تفيض به من محبة وألفة إلا الطاقة التي تمد الإنسان بكل ما يعينه على استكمال حياته بغير منغصات أو تعاسة. أعلم أن الجميع سيقول «كيف تنصح بشيء أنت فاقده!».. وإلا فقولوا لي من هو أنيس الآنسة مّي في وحدتها الآن؟ من جليسها؟ من يأخذ منها ويعطيها وقد خلا بيتها من كل أنيس ورفيق؟
في النهاية ترك الأصدقاء والأحبة لها حرية التصرف في وقت مرضها بمرض يسلب إرادتها وقدرتها على التكييف واتخاذ القرار.
سارت مّي نحو قدر محتوم.. وها هي تعاتب نفسها ص231 بعد عودتها من رحلة العذاب وأيام الظلم والجفاء في مستشفى «العصفورية» بلبنان كيف استسلمت لإنسان ومكنته من وضع طوق الرق حول رقبتي؟! هل الاحتياج لرجل هو ما دفعني أن استسلم له؟ هل الوحدة والضعف واليأس هي من مكنت جوزيف من إحكام قبضته حول رقبتي؟ هل لا تستطيع أنثي أن تكمل حياتها دون أن تستسلم لرجل؟! كيف خارت قوتي؟ كيف أستلقي على خدي وأسلم يوسف السكين ليذبحني بدم بارد؟! وبعد أن انتهي يوسف من عمل الباسبور، تناولته مّي وقرأت ما جاء به من توصيات الحكومة الملكية المصرية، وزارة الداخلية، إدارة عموم الأمن العام، نطالب ونرجو من موظفي الحكومة الملكية المصرية ومن قناصل المملكة المصرية في الخارج وممن يعهد إليهم بذلك أن يسمحوا لحامل هذا بحرية المرور من غير توان، ومع تذليل كل الصعوبات وأن يبذلوا له كل ما يحتاج إليه من مساعدة ورعاية»
حركت مّي شفتيها تحت الغطاء لتقول ليوسف بصوت مجروح «لن أترك بلدى مصر وأرحل أبدا»
أنا لا أرغب أبدا في ترك بيتي، أنا كالسمك إذا خرج من الماء مات، وهذا البيت هو النيل الذي أسكن ماءه.
لا الحلو حلواً، ولا المر مراً، هذا ما حدث لعاشقة الأدب والثقافة عاشت فترة منعمة تنهل الثقافة من مشاربها المتعددة نبغت فتوجت ثقافتها بإنسانيتها الحالمة ومشاعرها الجياشة.
التقطت الجمال في كل شخصية من شخصيات صالونها الأدبي، عشقت الجمال أينما وجد، وأينما كان، تسامت كفراشة رقيقة، راقية، يتابعها صفوة الكتاب والأدباء والمثقفين.
كانت أدباً وفكراً إنسانياً، وفيض مشاعر تحرك الوجدان بعيداً عن الغرائز والأبدان.
هكذا أحبت فراشتنا أرواحاً تسمو بها وتسعد، إنه الحب الملهم يتذوق عذاباته أصحاب النفوس السامية والقلوب الواعية شهداً مصفى- شهداً ترويه الدموع- شهداً قوامه ألم وآهات، يحصدون من الحب كتاباً- مقالاً – أو ذكريات.
هكذا يعيشن هؤلاء الأصفياء قتلت أرواحهم أجسادهم وغرائزهم واحتفظت هذه الأرواح بحريتها، بنقائها، بمذاقها الخاص فالحب الصوفي له نكهة تقرب إلى الله، روحانيات تسبح صاعدة حد السماء فالروح شامخة، سامية، حرة لا يحدها كائن أو وجود.
أما الجسد فهو قيد يحبس النفس التي تعشق بحرية وصدق وشفافية تعشق بغير قيود.
والإنسان بين صرختين- صرخة الحياة وصرخة الموت، نستقبل الحياة بالصراخ والبكاء بينما يسعد الأهل والأصدقاء، يضحكون يهللون، يحتفلون، يدقون بالهون دقات عنيفة، غناء، زغاريد، ينتبه الرضيع عنوة ودون اختيار، ليبدأ الحياة- ترى بماذا يشعر في هذه الأوقات؟ كان هادئاً، راضياً، مستكينا في رحم أمه نشأ بها، وتغذى بغذائها، وتنفس هواءها، تقاسم معها حياتها دون اختيار، لحظات صعبة مؤلمة عند الانفصال عنها ليبدأ من جديد، يرى بغير عينيها، ويتنفس بغير رئتيها يواجه حياته بجوارها وليس من داخلها أليست هذه صرخة من صرخات العمر؟!
تتعدد الصرخات، يصرخ الرضيع رغبة في الطعام، ويصرخ رغبة في التخلص من الفضلات، يصرخ عند المرض، ثم تبدأ ومع العمر صرخات النفس وآهاتها، اليوم الأول في الحضانة، اليوم الأول في المدرسة. هكذا… تترقرق صرخات العمر على موجات الحياة تعلو مرة، وتهبط أخرى. أحياناً تكون أكبر من الاحتمال، تخرج عالية تعلن «أنني أحترق أتألم، وتعرج الصرخات تشق السحاب تصل حد السماء لا يسمعها بشر، ولا يلتقيها غير الله الخالق الوهاب، يطبطب، يكافئ، يعجل يؤجل، وله في خلقه شؤون، اللهم لك الحمد ولك الشكر، اللهم لا اعتراض فقط أنه التفكر والتدبر والتأمل إذعانا لما دعوتنا إليه.
وكما كانت البداية تكون النهاية، والعلاقة عكسية، فالنهاية تبدأ من قوة، قوة الشباب ونضارته وعنفوانه إلى وهن الشيخوخة، ونتذرع بالأمل أن الغد سيكون أفضلاً، ولكن هيهات أن ترجع عقارب الزمن فنعود، لكنه الأمل يحدو بنا بعيداً كي نستمر، نبتسم ونحن نحبو نحو الكهولة حبواً حثيثاً يوماً بعد يوم، يضعف الظهر، يثقل اللسان، نعود كما بدأنا، فم بلا أسنان، رأس بلا شعر، إذن بلا سمع، وتنتهي إلى «الأم» الأرض التي خلق آدم من أديمها.
نتبادل الأدوار ونستسلم، نخلد لنوم عميق شيئنا أم أبينا أنه مفروض علينا، والآخرون يصرخون، يبكون، يهللون حزنا، قهراً والتياعاً، إنها أعنف الصرخات صرخة الفقد، فجيعة كبرى «مصيبة الموت».
عادت مّي إلى مصر بعد رحلة عذاب مرير في «العصفورية» مشفى للأمراض العقلية في بيروت لتكتب وتسجل معاناتها، وأيضا تذكر المخلصين الذين ساعدوها حتى العودة إلى مصر. وكتبت حين أحست وتوقعت الموت بعد أن ضعف جسدها وسقطت أسنانها.
«هلموا.. هلموا» واحملوا روحي حيث الخلود، حرروها من قيد الجسد وخداع البشر وطمع أشباه البشر.
«هلموا.. هلموا» وامسحوا دموعاً لم تجف ولن تجف إلا حين تزول هاتان العينان العميقتان، إنهما للألم سكن، وإنهما للحزن عنوان! هاتان العينان دماؤهما الموت.
أشعر بالجوع والموت طعامي، ويؤذيني الظمأ والموت شرابي.
«هلموا.. هلموا» أيها الكرماء. إن سلب الروح في الأساس متعة، وبقاءها في جسدي عذاب ليس بعده عذاب. ها أنا استلقي على سريري بثوب الحداد.
أنا مّي… أشهد بأني حاولت أن أصنع للمرأة مكانة تليق بها.. لكن «جوزيف» خدعني.. حاولت ولا أنكر أني انتصرت. لكن جوزيف جعله انتصارًا ناقصاً.
أعد كل نساء العالم، أعد كل «جوزيف» على هذه الأرض أنني حين أعود إلى الحياة من جديد سأنتصر انتصاراً ساحقاً، وليستعد «جوزيف» للمعركة القادمة.
«إما أن يفسح لي مكاناً بجواره ينتظر أن اتبوأه، وإما سيبوء بخزي وخسران. وتؤول الحياة إلى زوال»
رحم الله الأديبة مّي زيادة بعد رحلة شقاء مريرة خاضتها وحيدة بلا سند. كان سندها هو حب ذرعته في قلوب من عرفوها، تركت تراثاً من الفكر والأدب. تراثاً يجذب الأدباء والباحثين، ليكتبوا عن مّي زيادة وكأنها كما قالت عن نفسها: روح حرة طليقة يسكن جسدًا عليلاً، ذهب الجسد وبقيت روحها تحوم حول الأنقياء المخلصين ليكتبوا عنها وتبقي في ذاكرة الزمان.
والأديب الباحث على حسن عاش مع مّي زيادة يبحث وينقب بصبر وصمت بين سبعة وثلاثين مرجعا لكي يقدم لنا مّي زيادة في ثوبها النقي الطاهر متشبثا بالوقائع والأحداث.
اختار لروايته عنواناً هو نفس عنوان ما كتبته مّي زيادة بعد عودتها إلى مصر «أنا مّي زيادة» للتأكيد بثقة عالية على بقائها الأدبي والثقافي، إن ذهبت جسداً فسيبقى رصيدها من الفكر والأدب، صولات وجولات، بصالونها الثقافي مجتمعة مع جهابذة الفكر والأدب في عصرها.
الغلاف: في مجمله يوحي بالحزن وهو ما يتناسب ومحتوى القصة، الخلفية بيضاء تمثل الفترة الزمنية التي عاشتها البطلة في كنف والديها والحياة تصفو مشاربها.
ثم صورة مّي زيادة وقد ملأ الحزن عينيها، توحي جلستها بالتوجس والانتظار، مرتدية فستان محتشم أخضر اللون رمز الخير والنماء ولون الطبيعة على فطرتها، محاطة بهالة على شكل سحابة زرقاء اللون متدرجة بدرجات الأحزان والآلام التي أحاطتها تدريجيا ثم انقضت عليها انقضاض الأسد على فريسته.
وللأديب القاص والباحث على حسن مقالات أدبية وثقافية عديدة وباع طويل في كتابة القصة صدرت له كتب عديدة منها: قطعة صغيرة من الشيكولاته. إصدار الدار للنشر والتوزيع 2017 . ومجموعة قصصية «الخريف يلملم أوراقه» إصدار دار النسيم للنشر والتوزيع. وكتاب التطرف مهنة الإنسان الأولى. إصدار دار النسيم للنشر والتوزيع. بالإضافة لحصوله على دورات دراسية متقدمة في كتابة السيناريو، والترجمة.
استوقفتني الصفحة الأولى «الإهداء» يقول: إلى مّي.. هل أنصفتك..؟
وإذا بصوت مّي زيادة رقيق، ضعيف، رائق وشفيف يتنامى إلى مسامعي وفي وهن يقول: ثلاث سنوات روحي لم تفارقك، سهرت معك الليالي تطوف وتجول بحثا عني بين كتب ومراجع ومقالات الصحف والمجالات، آثرت السهر وهجرت النوم، سكنت جفنيك، كلما أتعبك وأجهدك البحث، وغالبك النعاس تراني أسكب دموعي على وجنتيك، تنهض معاوداً البحث من جديد كم فضلتني عمن سواي من شؤون حياتك وأسرتك تبحث وتجمع أدلة براءتي مما نسب إلى. وها أنت جددت حياتي، مستعيداً أيامي وذكريات أحلامي مستعذبا فرحي وصفائي متألما لمصابي وأحزاني، ما أسمى روحك وما أجل إنسانيتك إخلاصاً ووفاءً وإنصافاً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: