بيت الأدباء والشعراء

القتل الهادف

بقلم مصطفي بركات

( القتل الهادف ) 

من المجموعة القصصية 

( و ثالثهما الشيطان )

للكاتب / مصطفى علاء بركات 

  جلس واضعاً ساق على ساق و قدمه اليمنى مصوبة فى وجوه من حوله ، أشار لرجل مفتول العضلات مسلح، طويل تعلو ركبته فوق رأسه بمقدار شبر ، فدبت الحركة فى المكان ، كان بهو الفيلا يتسع كملعب كرة قدم و به مقاعد و مناضد و أربعة أركان مختلفة يقدم أحدهم طعام مستورد و الأخر الأطعمة المصرية الشهيرة كالمحشيات و الكفتة وركن المشروبات و أخر للحلويات و الأخير و هو الأضخم يضم لحوم بأنواعها بكميات ضخمة لدرجة أن بعض رجال حراسته الشخصية كان يأكل أحدهم ربع خروف مشوى و أخر نصف ديك رومى فى مثل هذه الليالى ، الأربعة أركان تحيط كالدائرة بالمكان ، و كل خطوتين ترى نجماً أو ممثله سينمائية و كلهم ببدل رسمية أحدث موديل ، و فساتين سهرة من بيوت أزياء متخصصة ، تتقافز أضواء صفراء و برتقالية هنا و هناك كأضواء إفتتاح المحلات الكبرى فى الأماكن الشعبية 

 – كان هذا الإحتفال الثالث الذي إعتاد عمله بعد نجاح كل فيلم من إنتاجه ، حقق فيلمه الأخير أرباح بالملايين بالرغم من عدم إختلافه الكبير عن الفيلمين السابقين فقد ركزوا جميعا على تصوير الأماكن الشعبية و الشجار بالأسلحة البيضاء و المخدرات و المشروبات الروحية ، يأتى بأحد النجوم المغمورين و يتفق مع المخرج على أن ينطلق فى هذه الحلبة مسرفاً فى التأثيرات الصوتية و الخدع السينمائية خصوصاً فى سفك الدماء أو تمزيق الأطراف فى مشاهد الشجار التى لا تقل عن خمسة مشاهد فى كل فيلم و كان شعار شركة إنتاجه سيف لامع تحيطه حلقة نارية ذهبية مشتعلة .  

  أشار لإثنين من حراسته الشخصية ، أن يفسحا المجال لأحد الصحفيين ،،، 

– صفوت بيه الشوبكى 

ألف مبروك على النجاح العريض لفيلمك ( دماء المظلوم) 

إبتسم صفوت و هز رأسه بتعالى

نظر الصحفى حوله بحذر ثم قال بكلمات مترددة 

– بعض النقاد إعترضوا على كم الذبح و القتل … و قالوا أنه أمر … يجرح المجتمع  

ضحك صفوت بصوت مرتفع 

– يجرح المجتمع … هاها 

و الملايين من الإيرادات من أين جاءت ؟ 

من دفعها؟ 

– حضرتك كثرة مشاهد القتل و المحتوى الدرامى …. 

وقف ( صفوت) و ضيق عينيه بشدة و قال : هل شاهدت الفيلم ! 

من الذى قتل ؟ 

– توتر الصحفى أكثر و قال : البطل

– هل كان ظالماً أم مظلوماً ؟ 

إتسعت عينا الصحفى الشاب و لم يرد 

– رفع ( صفوت) ذراعه اليسرى للأمام كالمحامى المتحمس  

 : المظلوم ، هو الذى قتل 

هذا اسمه ، قتل هادف… فهمت 

أغمض عينيه ، و جلس على الكرسى بقوة ، و أشاح بيده اليسرى مرتين فى الهواء فجذب الحراس الصحفى بعيداً

تأفف و نظر للناحية الأخرى مبتعدا بوجهه عن الصحفى فرأى المسئول عن شئونه المالية مقبل تجاهه بخطوات مسرعة كأنه يجرى و يختلس النظر للدور العلوى

– صفوت بيه ، ( رمضان محمد) فوق و أشار الطابق الأعلى

– ماذا يريد ؟ 

– جاء من ساعة ، و حاولت تهدئته فى المكتب و لكنه يصر على مقابلتك 

– قل له : أذهب للمقابر من حيث أتيت 

( كان صفوت الشوبكى و رمضان أصدقاء عمل بدأ من ستة سنوات بالصدفة عندما قام الأخير بتصوير مشاجرة حقيقية بالأسلحة البيضاء لمجموعة بلطجية يذبحون ضحاياهم بلا رحمة أو يجرحوا أجسامهم و لا يهتموا بما معهم من متعلقات ثمينة ، و بالرغم من صراخهم و استغاثاتهم ، إلا أنهما لمدة نصف ساعة كاملة صوروا كل شىء بدقة و تركيز و قاموا بالنشر على الإنترنت فحققت صدى واسع و بعد أسبوعين حذف تماما بلا مقدمات ، و بدأ طريقهم فى عالم الإنتاج السينمائى ، ثم أزاحه صفوت مؤخرا و قطع موارد رزقه بشكل مفاجىء ) 

إبتلع المدير المالى ريقه و قال

– حضرتك تعرف أنه رجل خطر 

– أشار صفوت لحراسته الشخصية المنتشرة فى أكثر من سبعة مواقع بهذا الطابق و قال بصوت حاد مبحوح كثعبان سام 

– أطرده 

تردد المدير لحظة 

فرفع صفوت قبضته اليسرى و قال : إرميه للخارج … مثل الكلب 

 إنتهت الحفلة ، و صعد صفوت يسير بخطوات بطيئة على السجاد الأحمر القاتم الفخم و يمسح شاربه الرفيع بيده و ذقنه مرتفعة حادة و كتفيه كالطاووس

و خلفه خادم عجوز يحمل صينية عليها كأس به شراب أحمر 

، دخل لغرفته و أخذ الكأس و أشار العجوز بالإنصراف و ووضع كفيه على النافذة مباعدا بينهما

باتساع أكبر من اتساع صدره ، ناظرا بفخر لحديقة فيلته الشاسعة فى طريق مصر إسكندرية الصحراوى …. دوى صوت زجاج يتكسر و نار تشتعل عند البوابة الرئيسية ، جرى ليمسك بهاتفه فسمع صوت طلقتين ثم صراخ و سيارة دفع رباعى تخترق بوابة الفيلا 

خمسة أشباح و سيوف لامعة مخيفة و الحراس يهربون أو ينزفون بغزارة و بعضهم يتحرك ببطء شديد ، تحول وجهه للون الأصفر و سقط الهاتف من يده خرج من الغرفة يجرى و صرخ فى الخدم ، قاموا من نومهم إتصل بالشرطة و أبلغهم أنه يتعرض للقتل و من مجموعة بلطجية مسلحين ، تحطم باب الفيلا 

ليجد أمامه إثنين ممن إشتهروا بالقتل و الذبح فى تلك المنطقة الشعبية قديما ، معهم سيوف بيضاء و زجاجتين أعلاهم فتيل قماش، إرتعش و تساقط عرقه و شحب وجهه عندما دقق النظر فى وجه أحدهم ، تراجع للخلف و قال

 سأعطيكم ما تريدوا خذوا مليون جنيه خذوا مليون جنيه وأتركونى  

لم يبدو على أحد منهم أنه سمع كلمة مما قال و إنطلقوا يدمرون التحف و يشعلون النار 

حاول أحد الحراس إطلاق النار فشاهده أحدهم و ألقى عليه زجاجة مشتعلة فإحترق نصفه العلوى و صرخ صرخة مدوية 

أمسك ( صفوت) بالجهة اليسرى من صدره بيده اليمنى و رفع ذراعه اليسرى لأعلى مستسلماً و سقط فجأة على ركبتيه ، إقترب منه أحدهم بسيف لامع شاع ظهوره بأفلامه، رفعه عاليا ، و لكنه لم يهوى لأسفل ، فقد هوت ذراع صفوت اليسرى و سقط على وجهه ، و تدحرج على البساط الأحمر القاتم حتى قاع السلم

 و تمدد جسده مسطحاً على الأرض و لم يرفع يده مرة أخرى . 

من كتاب ( و ثالثهما الشيطان)

دار المثقفون العرب 

بقلم / مصطفى علاء بركات

( تمت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: