بيت الأدباء والشعراء

حب لا ينتهي

عز الدين حسين ابو صفيه

قصة قصيرة …

حب لا ينتهي
Eحُب لا ينتهي A
كعادته اليومية انطلق فايز قبل غروب الشمس متوجهاً نحو كورنيش المدينة التي يقطنها وبدأ بالسير على رصيف الكورنيش مستمتعاً بهواء البحر النقي والمائل للبرودة لتشبعه بنسيم البحر والرياح التي تهب من غرب وجنوب البحر بفعل تغيّر الأحوال الجوية المائل للتلبد بالغيوم وتساقط الأمطار.
كان فايز يعشق مثل هذا الجو فكان يلف منكبيه وباقي جسده معطف صوفيّ أسود اللون ويعتمر على رأسه قُبعة صوفية سوداء، وكان كلما تقدم في سيره مئة متر وصادف مقعداً مخصصاً لجلوس المشاة فيجلس عليه مقابل البحر فيشعر بالسعادة ومتعة مشاهدة أمواج البحر الهائجة وهيّ تتزبد كماءٍ يغلي في وعاءٍ موضوعٍ على النار، وتتلاحق الأمواج دافعةً بالرياح الباردة نحو الشاطئ والكورنيش فتلفح وجنتي فايز فيزداد انتعاشاً فيتشجع على مواصلة المشيّ حتى استقر به الأمر للجلوس على مقعدٍ خشبيّ موجود داخل كابينةٍ مخصصة لاستراحة وجلوس المشاة ، لفت انتباهي بعض الكتابات والرسومات الموجودة على جزءٍ من جدار الكابينة والتي يقوم بكتابتها ورسمها العديد من الشباب والشابات المارين على رصيف الكورنيش .
لفت نظره رسمة بسيطة وجملة ( حُب لا ينتهي ) كُتبت بين حرفين بالانجليزية ( A … E ) فقام فايز بالتقاط صورةً لها بواسطة جهازه النقال ( الموبايل خاصته ) ، وأثناء ذلك اقترب منه شاب في أواسط العقد الثالث من العمر وبعد أن أدى التحية رحب به فايز ودعاه للجلوس ، فجلس الاثنان على المقعد الخشبيّ ؛ سأله الشاب عن سبب التقاط صورة لتلك للكتابة، فأجابه فايز، بأن تلك الجملة أعجبتني وهي جملة مُعبرة وأن من كتبها لا بد أن يكون عاشق لا يريد أن يعرف أيّ أحد أسمه أو أسم حبيبته ، لذا وعلى ما أظن بأنه رمز بأول حرفٍ من أسم كلٍ منهما و بينهما كتب ( حُب لا ينتهي ) .
ضحك الشاب والسرور بادياً على وجهه الأمر الذي جعل فايز مستغرباً ومندهشاً فسأله لماذا أنت مسرور ؟ ؛ وعلى الفور أجابه الشاب لأنني أنا الذي كتبت هذه الجملة وأن حرف A )) هو الحرف الأول من أسمى ، وما أسمك ، اسمي ( أيسر) ،ولمن الحرف الآخر حرف E؟ هو أول حرف من أسم الفتاة التي أحبها لدرجة كبيرة جداً تصل لدرجة العشق ، أتحبك هي كما تُحبها أنت؟ طبعاً تُحبني منذ خمس سنوات ، وهل تعلم هي بأنك قمت بكتابة هذه الجملة في هذا المكان ؟ بالطبع تعلم فقد كانت برفقتي ذاك اليوم واتفقنا على كتابة الحرف الأول أسمى ومن أسمها لتظل هذه الجملة بمثابة وثيقة وعهد بيننا على أن نظل نُحب بعضنا ؛ و تقريباً كل يومين أو ثلاثة أيام نلتقي هنا نتسامر ونتحدث ونخطط لمستقبل حبنا كيف سيكون ، إن كان الأمر كذلك فلماذا لم تتزوجها ؟ .
صمت أيسر وهو يتبسم وشاح بوجهه إلى جهة الكورنيش ونهض من على المقعد ، كان فايز يظن بأن ابتسامة أيسر موجهة له ، ولكنه تفاجأ عندما وجد وجه أيسر مشرقاً وهو ينظر إلى ذاك الوجه الساحر بجماله وروعة تقاطيع ونعومتها وجمال العينان الساحرتان ، رحب أيسر بها وطلب منها الجلوس لجواره على المقعد الخشبيّ ، إلا أنها تمنعت خجلاً لوجود رجل غريب في المكان الذي يختليان فيه بعيداً زحمة المارة وعيونهم ، همس أيسر في أذنها ، فاطمأنت، وألقت التحية على فايز ، وصافحته ؛ وبملاطفة وأدب خاطبها فايز كيف الحال يا Eتبسمت مستغربة وهي تقول أنا اسمي ليس Eفما أسمك؟ أسمى ( إشراقة صباح ) ، أسم جميل جداً يناسب جمالك الفتان ، وما أتى بك إلى هنا ؟ ألم يُخبرك أيسر بقصتنا ؟، أخبرني ببعض الشيء ، وأنا سألته لماذا لا تتزوجا ؟ قالت : خطبني أيسر خطبة مع وقف التنفيذ ، وكيف ذلك ؟ ومن أصدرها الحكم على علاقة حبٍ نزيه ؟ .
تنهدت إشراقة من أعماق قلبها وكادت تفيض دموعها من بين كحل عيناها ، إلا أنها تمالكت نفسها وهي ترد على سؤال فايز بكلمات ٍ بعثر حروفها تنهيداتها المتلاحقة ؛ أبي وأهلي رفضوا زواجي من أيسر، ولماذا ؟ لم تستطع إشراقة إكمال حديثها ، فقام أيسر وبلطفٍ مد يده يمسح على شعرها ليُهدئ من توترها ، وقال : أنا أجيبك يا أستاذ ؛ ولكنك لم تُعرفني عن نفسك وأسمك ، أنا أسمى فايز ، وماذا جاء بك إلى هنا ؟ وما هو عملك ؟ ولماذا قمت بتصوير الجملة المكتوبة على الحائط ؟ قاطعته إشراقة وهي توجه سؤالها إلى فايز، أقمت بتصوير الجملة ولماذا ؟ هذا عمل غير جيد خاصة بعد أن عرفت أسم كلٍ منا فهذا الأمر قد يسئ لنا .
صمت فايز واستطرد حديثه ليُجيب على أسئلة أيسر له ؛ أنا لا أعمل الآن حيث بلغت السن القانوني للتقاعد ومن خمس سنواتٍ مضت تم تقاعدي من عملي . وكيف تقضي أيامك ووقتك ؟ أمارس رياضة المشيّ وبعض الهوايات كالقرأة والكتابة ، وعندما وصلت إلى هذا المكان وجدته مناسباً لأجلس لأستريح بضع دقائق وأشاهد روعة وجمال البحر وهو هائج ، عندها لفت نظري تلك الجُملة ( حُب لا ينتهي ) وهي كلمات معبرة عن حالة حب طاهر ، فقمت بتصورها ، لماذا ؟ لأنني وجدت في تلك الكلمات معانٍ عميقة وذات أحاسيس وأهداف سامية فاخترتها لتكون عنواناً لقصة جديدة ، أتكتب القصة إذاً ؟ صحيح؛ فأنا أديب وشاعر، إذاً ستكتب قصة حبنا ، ولكن بدون التطرق لأسميكَما الحقيقين أو خصوصياتكما ، لكن يأخذني الفضول لأعرف جواباً منكما عن سؤالي السابق لماذا لم تتزوجا رغم هذا الحب القوي.
تقدمت لأهلها لخطبتها وطلب يدها للزواج بها وتفاجأت برفضهم القاطع وأكد أ باستحالة أن يتم هذا الزواج ، فعدت أنا وأهلي إلى منزلنا وكان الغضب والتوتر باديان على وجه أبي وأخواتي الذين ذهبوا معنا لطلب يد إشراقة من أهلها ، ولم أعلم عن السبب الحقيق لكل هذا التوتر والغضب ، وقبل أن أوجه استفساري لوالدى عن سبب غضبه فقد فاجأني برفضه المتصل لزواجي من إشراقة وأخذ يصرخ في وجهي وأخواتي يوجهون لي اللوم الشديد لمجرد التفكير بالزواج من إشراقة ؛ أدهشني المشهد وكاد يصيبني انهيار فجلست إلى أقرب كرسي وأنا حزين ولا أعلم ماذا أقول .
فاجأني والدي بأنه شاهد صوراً للعذراء مريم وصوراً أخرى لطفلها عيسى وصليبٍ خشبيّ مصلوب عليه مجسم من الخشب لرجلٍ يرمز للنبي عيسى بن مريم عليه السلام ، هذا يا أيسر يعني بأن البنت التي تنوي الزواج بها هي مسيحية!!
نعم يا والدي وهذا الأمر ممكن أن يتم وتجاوز جميع الموانع التي تقف في طريق شرعية زواجنا ، وكيف ذلك يا أيسر وانت تعلم بأن ديننا الإسلامي لا يُحبذ الزواج من غير المسلمات إلا إذا اعتنقن الإسلام، أو أن تعتنق ديانتها أيّ بمعنى أصح أن تصبح أنت نصرانياً وهذا يعتبر إرتداداً عن الدين الأسلامي وأن عقابه الشرعي شديد جداً .
قاطعت إشراقة ما يدور من حديثٍ بين أيسر وفايز وهي تُأكد على أنها تواجه نفس المشكلة مع أهلها بعد أن أخبرتهم بأن أيسر هو من عائلة مسلمة ، ولكنني على الصعيد الشخصي وحبي لأيسر لديَّ كامل الإستعداد لاعتناق الإسلام لأحقق حلمي وحلم أيسر وتتويج حبنا بالزواج طالما أن أصل الأديان واحد والرب واحد والأنبياء. الرسل هم أنبياء الله ورسله و سألتهم واحدة تدعو لعبادة الله الواحد الأحد ونشر المحبة والسلام.
كان كلام إشراقة أن أدخل السرور لقلب أيسر وملأ الدهشة بقلب فايز فقال : وكيف ستتزوجان في ظل رفض الأهل لذلك ونظرة المجتمع السلبية لمثل هكذا زواج ؛ هناك يا أستاذ فايز بعض الشباب في الماضي قد تزوجوا من فتيات مسيحيات وكان زواجهم موفقاً وناجحاً مئة بالمئة وأنجبوا أطفالاً مسلمون وعاشوا هانئين وفي قمة السعادة .
ولكن حتى لا نقع في دائرة اللوم فهناك حلولاً كثيرة ، مثل ماذا يا إشراقة ؟ أنا قد قُبلت للدراسة بكلية الطب في أحدى الجامعات التركية وخلال شهرين سأغاد إلى هناك للدراسة ، قال أيسر وأنا وجدت عملاً في أحد الشركات في تركيا وسأغادر بعد حصولي على فيزه للسفر خلال شهرين ، بعد أن نكون أنا و إشراقة هناك سنتزوج.
وماذا بالنسبة لك إشراقة ؟ سأعتنق الإسلام إن طلب القاضي الشرعي مني ذلك.
تبسم فايز وصافح كل من أيسر و إشراقة وهو يضغط بكفيه على يد كلٍ منهما وهو يُهنئهما ويقول ألف مبروك لكما.
هم فايز بالانصراف وما أن خطى عدة خطوات إذ بصوت أيسر يسأله ، وماذا عن القصة أستاذ فايز ؟
ضحك وبأعلى صوته رد عليه فايز القصة وصلت للنهاية

د. عز الدين حسين أبو صفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: