شعر وأدب

أبو قردان الحكيم

كتب/أحمد عيسي

عاشت أسرابٌ كثيرةٌ من طيور “أبو قردان” المعروف بأبي منجل، أو مالك الحزين، أو ابن الماء، آمنة مطمئنة، سعِدتْ فيها بحكمة كبير الفصيلة السيد “أبو قردان” الحكيم؛ حيث مثَّل لبني جنسه العقل الرشيد، والرأي السديد، وكان نعم الوالد الرحيم، والخبير الحكيم.
لطالما نصح “أبو قردان” سِرْبه وفصيلته بنصائح كالدرر، أغنتهم عن الوقوع في المآزق والزلل، ودرأتْ عنهم عديداً من غوائل الطيش والحمق والجهل والخَبَل..
أبو قردان: أبنائي الأعزاء اسمعوا وصيتي وافهموني.
السرب: فديناك كبيرَنا بالنفس والروح وكل العيونِ.
أبو قردان: نحن لا ريبَ أصدقاء الفلاح لكن خُذوا منه دوماً الحيطة والحذر.
أبو منجل: ولِمَ ولَمْ نرَ من الإنسان بأساً ولا ضراً.. ولا سُوء طَويّةٍ ولا شراً؟!
أبو قردان: هذا لأنكم لم تدنو من جَنَابه أو تغشوا بعدُ رِحَابه.
أبو منجل: وماذا يحدث لو منه دنونا.. أو إليه طرنا واقتربنا؟
أبو قردان: ربما أصابكم قدمُه أو مِعْوَله وهو يعمل منهمكاً في الأرض يحرثها ويسقيها.
طائر: نحن نراه لا يفتأ يُثير الأرض.. يُطهرها ويُنقيها.. ويغْمُرها بالحَبِّ يغرسه ثم يرويها.
أبو قردان: حذارِ من أطفال الفلاحين فقد يُطمعهم فيكم اقترابكم من ذويهم فلا تقاربوهم فيؤذوكم.
طائر: قد حاول أحدهم مرةً أن يُمسكني فلما طرتُ بعيداً عنه راح بحجر يرميني.
أبو قردان: علينا أن نعمل مخلصين بفطرة الله التي أودعها فينا.
نلتقط الدود والحشرات والقُرَاض والآفات على أن نكون حَذِرين.
أبو منجل: ما لي أراك من الإنسان تُرعبنا وتُرهبنا حيناً إثر حين؟!
أبو قردان: الفلاح صَديقُنا نخدُمه ويخدمُنا وأرضه تُطعمنا وتسقينا.
أبو منجل: إذن فَلِمَ تحذِّرنا وعَلامَ بالحيطة والحذر تعظنا وتُقسِّينا؟
أبو قردان: الإنسان هو صديقنا وعدونا لو كنتم لحديثي من الفَطِنين.
أبو منجل: لا بأس علينا من الفلاح نشاركه بقايا قُوتِه ودارُه لنا تُؤينا.
أبو قردان: أعشاشُنا الكافور والنخيل وعالي فروع الأشجار يحمينا.
أبو منجل: ولِمَ لا نشاطرهم دُورهم ومَساكنهم وسُطوح مبانيهم؟
أبو قردان: رائحتنا تزكم الأنوف ونحمل بين أقدامِنا كَدَراً وطِيناً.
أبو منجل: تكثر أرزاقنا في بيت الفلاح ومن فضله يغذونا ويُعطينا.
أبو قردان: لن يُطيق الفلاح أبداً فضلاتنا وأصواتُنا تثيره فيؤذينا.
أبو منجل: سنترك ديارنا ونهاجر إلى دُور البشر لنحقق أمانينا.
أبو قردان: لا تسمعوا لأبي منجل.. لا تهاجروا معه فيُرديكم ويُردينا.
أبو منجل: هيا اجهزوا فالغروب موعدُنا سُحْقاً للمثبطين والمعوقين.
أبو قردان: تمسكوا بفطرتكم ولا تنقضوا عهد الله والميثاق والدين.
أبو منجل: لا تأبهوا لصوت الجُبن يُقعدنا عن حداثة وتطوير يُخزينا.
أبو قردان: خُلِقتم لتطهير أرضٍ وماشيةٍ من أَذَى وقَذَى بحثاً وتنقيباً.
أبو منجل: استعدوا الآن حَانَ الغروبُ لنطير إلى دُور النَّاس نغزوها.
أبو قردان: لا تفعلوا أبنائي فتخسروا وتندموا وتكونوا من المفتونين.
أبو منجل: دعكم من شَيْخٍ قد خَرِفَ لا يُحب جهاداً ولا مجاهدين.
هاجر أبو منجل وتبعه أكثر الفصيلة، وما هي إلا أيام قلائل، حتى ضاق الفلاحون ذرعاً بأعداد الطيور، وراعتهم فضلاتها، وأزعجتهم أصواتها، فراحوا يسلطون صبيانهم على أسرابها وجموعها بالنبل والبنادق نضْحاً وتصويباً.
وهبَّ الفلاحون لحملاتٍ يرشون الدور والأشجار بالمبيدات تطهيراً وتعقيماً، فحصدوا من جموع الطير أعداداً عديدة، ثم نَفَقَ كثير من الطير تأثراً بالمبيدات اختناقاً وتقتيلاً، وانقلب مع أبي منجل ما تبقى من طير بين جريح وكسير ومريض يجرون أذيالَ ذُلٍّ وصَغَارٍ وباؤوا بعارٍ وكانوا هم الأخسرين.
وبعدد عودة أبي منجل ومن بقي معه من السرب..
أبو قردان: أين أبناءُ فصيلتي وما تلك الوجوه الشاحبة المهيضة؟
السرب: تنكبنا شريعتنا ولم نَرْعَ فِطْرة الله وقد أرساها نقية فينا.
فسلط الله علينا عدونا يردعُنا ويُخزينا وبكل قوته راح يُمنينا.
أبو قردان: إنما أقول لكم كما قال نبي الله صالح لقومه:
{يَا قَوْم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ}.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: