بيت الأدباء والشعراء

إنسان الظل

كتبت/حنان فاروق العجمي

نعلم جيداً ما هو خيال الظل
هو ذلك الذي يُمثِّل شخصية الظل الحامية بالحقول الزراعية بمنتصف الأرض الذي يقف ويمد ذراعيه على الجانبين فتراه الطيور ولا تهاجم المزروعات وتُخَرِّبها وهي شخصية صمَّاء لا حياة فيها ولا تملك صفة الحماية
ولكنها ظاهرة للعيان بصورة الحامي
ولكن أتعلمون أن هناك شخصية أخرى تُدعى إنسان الظل
هي شخصية حقيقية لها وجود فعلي بالحياة وتَدُب فيها الروح وعلى قيد الحياة ولكنها تُحب الظل
ترغب في العيش بالكواليس وخلف الأحداث لا تصعد على خشبة المسرح ليراها الجمهور ويقوم بتحيتها وشكرها
على أدائها المذهل والبارع هي دوماً ترغب بعدم الظهور لهدف تريد تحقيقه ومصلحة خاصة
ولكنها تحفظ وتؤدي جميع الأدوار بكفاءة بالغة
تستطيع القيام بدور الطيب والشرير وتتقمص دور الوحش ببعض الأحيان حتى يهابها الآخرون ولا يقتربون منها
وتتقن تلك الشخصية فن الغموض وتُجيد الصمت وقت احتياجك للكلام لِتَظل شديد التعلُّق بها
وتفكر كثيرًا فيما يمكن أن يكون رد فعلها هل غضبت منك عندما تحدثت إليها؟
أَمْ هي شخصية غير مُبالية بما تقول؟
وتفكر مَلِيا هل أخطأتَ وتَسرعت وتحدثت بما لا يجب قوله وأنك حكمت عليها خطأ؟
إنسان يتركك هكذا حائرًا بردود أفعاله لا تعلم موافقته أو رفضه لموضوع ما رضاءه أو عدمه
وتبقى تدور معه في حلقة مُفرغة يُشعرك مرة بالاهتمام ومرة أخرى كأنك غير موجود على الإطلاق
هو مستمع جيد لك ولكنه يتركك تتحاور مع نفسك ويظل مُتَفرِّجاً من بعيد
لا يَقوَى على المواجهة وإن تجرَّأت ووضحت له أنك تفهمه جيدًا وتفهم تصرفاته معك الغير مُبررة يهرب ويختفي
ثم يعود برداء جديد وهو عباءة الهجوم وإلقاء اللوم عليك ثم وضع خطة للانتقام منك ولا يستطيع تنفيذها
لأنك مصدر ممتاز يمده بالطاقة الإيجابية والسعادة يُشعرُه ذلك بقيمة وجوده ينتظر بعض الوقت ليستفيد منك أقصى استفادة ممكنة خاصةً بعدما كشفتَ طبيعة شخصيته المريضة ثم يرمي لك طُعم الاهتمام والحب بصنارة
و يجذبك فجأة ويُبدي لك غيرته من اقتراب الآخرين نحوك ويهتم بأدق تفاصيلك ويراقبك ليل نهار ويُنكر ويمارس دور الناصح الأمين الخائف على مصلحتك شرطه الوحيد الاختباء وألَّا يظهر اهتمامه بالعلن أمام الآخرين
حتى لا يتهمونَهُ بضعف شخصيته أمامك وأنهُ مُنقاد لك
يُخفي اهتمامه بك أمام الناس يظل فقط بالظل وإن وافقت على شرطه فمرحبًا بك وإن رفضت سيبتعد بأقصى سرعة ويلقي عليك باللوم
هذا هو إنسان الظل لا يمكن لأحد رؤيته غيرك يرغب دائمًا بالتحكم فيك والسيطرة عليك
يعشق التعامل معك كمُحترف تحريك العرائس على المسرح مثل الدمية بين يديه يحركها كيفما يشاء ويتلاعب بمشاعرك لا تعلم إن كنت محل اهتمام عندهُ أَمْ أنك لا تختلف عن الآخرين
لا تُمثِّل أولوية من أولويات حياته ولكنه دائمًا يترك الموضوع مفتوحًا للمناقشة والبحث
والقصة ذات بدايات جميلة وواضحة كل الوضوح ودارت فيها العديد من المواقف والأحداث التي كُنتَ فيها مُسيطرًا
أو بالأحرى جعلك هو تَشعُر بذلك لكنها حكايات وهمية بلا نهاية
هو مجرد خيال ظل يعيش على هامش حياتك يسعد بذلك وعندما تدرك حقيقته إمَّا أن تستجيب لأهوائه الشديدة الغرابة لأنه يعلم كيف يتحكم بك أو تنجو بنفسك وترحل دون عودة مبتعدًا عنه لأنك تدرك قيمتك وتعطيها حق قدرها
بقلم الأديبة/حنان فاروق العجمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: