مقالات

رؤية نقدية للدكتورة حنان مصطفى حول رواية “خلف قضبان الحياة”. للأديبة المصرية سعدية العادلي

خلف قضبان الحياة.. عندما يتحول الحب إلى حنين يجتر الذكريات

د. حنان مصطفى

 في واحدة من أعمالها الملهمة، المغلفة بروح إنساني رهيف، تقدم الكاتبة المبدعة سعدية العادلي واحدة من رواياتها البديعة ذات الطابع الحميمي الخاص، والمعنونة ب”خلف قضبان الحياة”.

لا تميل الكاتبة إلى التعقيد، ولكن تعرف هدفها مباشرة، وتصل إليه من أقرب الطرق دون تكلف أو إغراق في الصنعة اللفظية. فقارئ أعمال سعدية العادلي لا يجد صعوبة في التفاعل مع مفردات العمل، ولا تغيب عنه رسالتها التي قصدت إليها، خاصة إذا كانت رسالة حب ووفاء كتلك التي بين أيدينا الآن..

فرواية “خلف قضبان الحياة”، هي رواية حب تجعل من الحنين جسراً تعبر من خلاله إلى الماضي الجميل المفعم بالذكريات. فإذا بدأنا من العنوان، فلا يمكننا أن نقف عند حدود القضبان التي تجعل من الحياة سجناً، لكن علينا أن نمضي خلف هذه القضبان لنكشف المعنى والحكمة التي تقف وراء زخم الحياة بكل ما تحمله من أحلام وصعوبات وآلام.

ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الإهداءات التي تتصدر الرواية، وكلها تعبر عن الحب من ناحية وعن الحنين من ناحية أخرى. فالكاتبة تقدم الإهداء إلى طوائف ثلاث من البشر الذين اختارتهم بعناية، وعن جدارة واستحقاق، الأولى تخص الأرواح التي صعدت إلى السماء وتشمل الأب الذي غرس في نفسها حب العطاء والأخ الذي رافقها طفولتها، والثانية تخص الذين كانوا سندا في حياة الكاتبة وهم الأم والإخوة والأخوات والزوج والأبناء والأحفاد، والطائفة الثالثة، لا ترتبط بالكاتبة على مستوى قرابة الدم وإنما على مستوى القرابة في الوطن والإنسانية وهم الشهداء الذين بذلوا أرواحهم فداء للوطن، وهو إهداء يشمل الأمهات اللائي أنجبن الشهداء والأبناء الذين ذرفوا الدمع على الشهداء من الآباء باعتبارهم دموع اليوم وأمل المستقبل.

ولا تختار العادلي من تتوجه إليهم بالإهداء اعتباطا، لكن تمهيدا لأحداث الرواية. فالأهل والأقارب هم رمز الحب والعطاء، والشهداء هم رمز التضحية والفداء، لكن أيضا رمزا للحرب بكل ويلاتها.

وبهذا المعنى، يتردد صدى الحب والحرب على طول الرواية، فالرواية تدور حول قصة حب عميقة ضاربة بجذورها في الماضي، بين اللواء يوسف عز الدين والدكتورة نهى عبد العزيز التي ألفت كتابا بعنوان “الحب والحرب”، وفى حفل توقيع الكتاب يحضر اللواء عز الدين ليتحدث عن الحروب التي خاضتها مصر وأهمية سيناء ومكانتها، وتتحدث الدكتورة نهى عن أثر الحروب على النساء والأطفال، وكيف أنها تأخذ أجمل ما فينا، فتغتال روح الإنسان ووجدانه وتدمر مشاعره حتى يبقى جسدا دون حياة. ولا تنسى الكاتبة أن تقدم وجهة نظر الشباب في مستقبل مصر، فيقف واحد من طلبة الجامعة، الذين كانوا حاضرين بالندوة، متحدثا عن أهمية القوة البشرية في التعمير والبناء، من خلال زراعة حدودنا بالبشر، وبناء مدن متخصصة تناسب طبيعة المكان، وتدريب الكوادر البشرية للعمل على الاستفادة القصوى من هذه الأماكن.

وفي لحظة فارقة تقدم دكتورة نهى نسخة من كتابها، فى نهاية الندوة، إلى اللواء، فتقع عيناه على بقعة بنية على ظهر يدها تعيد إلى ذاكرته ذكريات بعيده، ترجع إلى مرحلة الطفولة التي كانت تجمعه بها (باعتبارها ابنه خاله) ذات يوم في بيت واحد.

وعن طريق الفلاش باك تسرد الكاتبة قصة أسرة مصرية أصيلة، عاشت فترات الانكسارات والانتصارات التي خاضتها مصر في تاريخها الحديث. وبهذا المعنى نلمح الكثير من المواقف التي تعكس الحب من ناحية، والحنين من ناحية أخرى. والحقيقة أنك لا تستطيع أن تفصل الحب عن الحنين، كما لا يمكنك أن تفصل مشاعر الكاتبة عن مشاعر الشخصيات. فكمية الصدق التي يستشعرها القارئ من خلال سطور الرواية المفعمة بهذا القدر من المشاعر الإنسانية العميقة إنما تعني أنها عندما تتحدث عن المصريين وتفاصيل حياتهم في تلك الحقبة الحرجة التي مرت بها البلاد إنما كانت تتحدث عن نفسها وعن حياتها كمواطنة مصرية تشعر بنبض الوطن وناسه الذين يعيشون على أرضه، الذين ينعمون بخيراته ويكتوون بناره في الوقت نفسه.

ويمكنك أن تتعرف على ملامح الكاتبة من خلال وصفها لحياة د. نهى عندما تتحدث عن حبها لقراءة مجلة حواء وجريدة الأخبار وتستمتع إلى الراديو، خاصة برامج “قرأت لك” و “قال الفيلسوف” و “المائدة المستديرة” و “لغتنا الجميلة”، وهي السمات الترفيهية والثقافية التي كانت تميز اهتمامات الأسرة المصرية، وتكشف عن مراحل تشكل الوعيين، الفردي والجمعي، وعن الروح المصرية ذات الأصالة التي كانت تلقى بظلالها على هذا الزمن، وتصبغ الحياة بصبغتها. وتفسر الكاتبة تلك الروح الجميلة السائدة بين الناس عندما تتحدث عن طبيعة الحياة في ذلك الوقت قائلة “كانت أعداد الناس قليلة يعرف بعضهم بعضاً، يسودهم الحب والمودة والترابط”.

وكما كانت الذكريات هي الوقود الذي يشعل حنين الكاتبة، فقد كانت كذلك بالنسبة للشخصيات نفسها. فتحكي والدة نهى عن ذكرياتها مع الأب الشهيد وكيف قضت معه أحلى أيام العمر وكيف استقبل مولد شادي (أخو نهى) بفرحة  وكأنه أحس أن القدر لن يمهله ليري نهى. وكان استدعاء الذكريات هنا استجابة من الأم لشعور داخلي بأن الابنة (نهى) كبرت وأصبحت بمثابة الصديقة.

وفي حوار بين شادي والجودة يذكرها بأيام الحرب والغارات الجوية والطائرات التي كانت تجوب السماء، فيخبرها بواقعة حدثت له قائلاً “كنا نعيش في ظلام دامس، أنا فاكر يا تيته كان معايا قصة فيها صور جميلة، جلست تحت السفرة وصممت على قراءتها، أضاءت أمي شمعة وضعتها في كوب وجلست أقرأ وإذا بأصوات من الشارع، طفي النور.. طفي النور، وأسرعت أمي وطفت الشمعة وأنا أبكي”.

وفي مشهد بديع تصور الكاتبة روح التعاون والمودة التي كانت سائدة زمن الحرب، عندما آوت الأسرة المهجرين من مدن القناة أثناء العدوان الثلاثي، فقد تعاون أهل الحي من خلال تقديم كل ما لديهم من مسكن وملبس ومأكل. وتعلق الجدة على هذه الذكريات بأنها كانت حلوة ومرة في ذات الوقت، حلوة بناسها الطيبين المتعاونين، ومرة بويلات الحرب من غارات واعتداءات.

وفي كل الأحوال، تحرص الكاتبة على تحليل الشخصية المصرية، و إبراز أهم سماتها، فى أوقات الاستقرار وفى أوقات الحروب والأزمات. إننا أمام شخصية فريدة برعت الكاتبة في الوصول إلى أعماقها، لتكشف عن السر وراء تلك العبقرية التي تجيد العيش في كل الظروف دون أن تفقد إيمانها بالله والوطن، وأن تظل محتفظة بابتسامتها وروح الدعابة التي تميزها حتى في أحلك الظروف.

وفي هذا المعنى تكشف الكاتبة عن دور النكتة في حرب أكتوبر وعبور القناة. فالنكات المصرية كان لها دور في التنفيس عن الضغوط الناجمة عن الحياة بعد الهزيمة، ودور آخر في التمويه على العدو تمهيدا للنصر ورفع العلم المصري.

إننا لسنا أمام مجرد قصة متخيلة، لكن إزاء ملحمة إنسانية فيها الألم والحزن والانكسار، وفيها الفرح والحب والانتصار..

فتحية للكاتبة التي بعثت لحياتنا تلك الروح التي كادت أن تغيب، وأعادت روح الأمل للأجيال الجديدة في غد مشرق يكلله الإيمان بالله وبقدرة الإنسان على صنع المستحيل!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: