بيت الأدباء والشعراء

مراوحه بين الظلال والمحال

بقلم محمد البنا

مراوحة بين الظلال والمحال

قراءة نخبوية لنص

( الساعة الثالثة إلا ربع فجرا)

للأديبة السورية/ كنانة عيسى

بقلم الأديب المصري / محمد البنا

………..

النص

……

الساعة الثالثة إلا ربع فجرًا

………..

ستبقين في الجهة المقابلة من غرفتي، تصغين إلي،تمدين أصابعك خلال الجدار، تطرقين على جدار القلب ثم تنسحبين ،فيلهث ذلك النبض بالتدريج… 

لا أقوى إلا على التمدد، أنظر إلى أصابعي، أعدها بلاجدوى،فلا شيء يتغير منذ ذلك الحادث الغريب ،تصارعني خفقات صدري الملتهب، لا أدرك من منا لا يزال على قيد الحياة

أصرخ بملء حنجرتي ولا يسمعني أحد 

-لم أقصد… قتلنا….كان مجرد خطأٍ. هلّا عدتِ لأجلي؟  

ألمس ذراعي المتوهجتين بالبرد،تدميني، أنفاسك رغم غيابك،أنظرُ إليكِ وأنت تغرّدين في تلك الزاوية المقابلة لسريري من علوٍ، كأن المكان ينتمي إليك وحدك. 

. وأتساءل كيف تقفزين بكل تلك الخفة عبر الاسمنتِ والطّين و الأزمنة، عبر الغرف المعدنيةِ وشاشات المراقبة، تقبّلين بحرارة تلك الأنابيب الموصولة بجسدي الفارغ كذلك اليومِ الذي فقدتني فيه. 

أسقط في جسدي المخلوع بخفةٍ أراك تغردين بلا أجنحةٍ. 

تخلعين عنك حزنًا أعرفه ويعرفني تقولين لي ويدك ممدودة بالنور تجاهي

-حان وقت العودة… أسامحكَ. 

 يحطُ حقلٌ من السنابلِ في شعرك، تكاد رائحته أن توقظني من سباتي، تمدين قمرًا شاحبًا ،فتنسج تلك الجدران نوافذها من بلور هش ، أفتح عينيّ بصعوبة، يطالعني نورٌ ساطع، أصغي لضجيجهم ،لا أرى وجوههم خلف الأقنعة البيضاء، ألمحكِ مسجاةً بجانبي ودمك العطر قد انسكب بهدوءٍ فأخفى جبهتك وعينيك المنسدلتين في صمتٍ. 

أرتبكُ في حضرة جسدك الجريح، يختلج قلبي الذي بات يخفق في صدرك. تستيقظين … شهقتك تفتح لي نفقًا لولبيًا عائمًا بالضوء، أحلق بعيدًا عنك وأنا أرمق جسدينا الممددين ،

كلٌّ منا في غرفة..نصارع لبقاءٍ مستحيلٍ.

ترتعشين بالحياة وأنا أغادرها ، ألمح خفقان صدرك، تعود الملاءة الزرقاء لتدفئ وجهي البارد، وتنمو أجنحتي كإقحوان عينيك. 

أسمع لغطهم دون خوف…. 

أعلن الموت السريري في الساعة الثالثة إلا ربع

………..

كنانة حاتم عيسى ٢٣ مارس ٢٠٢١

………..

القراءة

………

أجد أنه لزامًا عليّ ألا أتحدث عن اللغة فقد أجادتها ببراعة، ولا عن المشهدية فالمشهد ماثل حيًا في مخيلة أي قارئ له، ولا عن تقنيات السرد من حبكة ومعالجة وأسلوب سردي، فقلما يُخطئ قاص ( ناقد ) في أيٍ منهم، وكذلك عناصر القص الستة وقد توافرت بصورة أو بأخرى، وما تمتاز به القاصة من إضفاء الشاعرية على نصوصها باللجوء الى المحسنات البلاغية كالأطناب والتقابل والصور الشعرية، وأول ما سأبدأ به في دراستي لهذه القصة هو تصنفيها ككتابة تنتمي لما بعد الحداثة، حيث يتوارى الحدث ( حادثة السيارة او الطريق او أيًّا ما كان نوع الحادثة) في خلفية النص ويأتي ذكره مبهمًا، حيث لا ضرورة لتفصيله أو توضيحه، إذ يعتمد البناء القصصي ( في ما بعد الحداثة ) على المشهدية السردية التصويرية المشعة بالشعور والمشاعر، وقد نجحت الكاتبة في تحويل الحروف إلى شعور ومن ثم تدفق الشعور أنهارًا من المشاعر .

هذا هو النص المشهدي كأنموذج يفيض حياة، رغم أن المتن في معظمه لحظات احتضار.

أي قدرة هذه، وأي إبداعٍ هذا!!.

ولم يخلو النص من الشاعرية فبدت لنا قتامة المشهد كأنوار مضاءة ومضيئة..رأينا الأبيض النوارني متمثلاً في جدران مستشفى، وفي أجنحة تحلق، ورأينا الطبيعة بألوانها جمعاء في تغريد وعبر نوافذ، وانابيب، ورأينا الأحمر في شرايين قلب، ورأينا الازرق في ملاءة سرير، ولمسنا الفصول في برودة يدين وجسد، وشعرنا بالدفء في لمسة أصابع، واقتحمتنا الحياة بعنفوانها في جسدٍ يفارقها..أي براعة تلك صيغت في سطورٍ قليلة!!

وتلك النهاية الواثقة أنّ الموت ليس موتًا بل اقتصرت الكاتبة عمدًا على اثباته موتًا سريريا، فللحياة بعده شأنٌ آخر وصورة إخرى..ربما نجهلها الآن وسنعرفها غدا، وربما ينحو النص إلى حياته الممتدة بامتداد حياتها، حيث يخفق قلبه بين أضلع صدرها.

وللعنوان أيضًا دلالته وارتباطها الوثيق بالمتن، الساعة…زمن قد يكون محدودًا وقد يكون ممتدا، الثالثة..كنا أنا وأنتِ اثنين…صرنا ثلاثة ( الكائن الثالث..جسدها وقلبه ) إلا ربع…لا يزال من الوقت متبقي ربع ساعة ( فترة الأفاقة ) حتى تكتمل الحياة الجديدة ( فجرا).

وإن جاز لي أن أتوقف سأتوقف عند نقطتين، أولاهما غرفتين منفصلتين إلا أنّ الاتصال الشعوري حيٌ وكأنّ لا جدارٌ فاصل، وكيف يفصلهما جدار وقد مدت أصابعها وأخترقت جدر قلبه!

وثانيهما ..الجملة (يختلج قلبي الذي بات يخفق في صدرك فتستيقظين) حيث يطل المجاز بارزًا من الجملة، مؤكدًا عمق العلاقة العاطفية والوجدانية بينهما، او يندرج المشهد تلقائيا متماهيًا مع كونهما في مستشفي، وعملية نقل قلب سليم لجسد منتهي لا سبيل لنجاته، إلى جسد يؤتمل نجاته وتخليصه من بين أنياب موتٍ محدق، فمن الموت توهب الحياة( نصارع لبقاء مستحيل) الاستحالة لأحدهما، ( ترتعشين بالحياة وأنا أغادرها، ألمح خفقان صدرك، وتعود الملاءة الزرقاء لتدفئ وجهي البارد).

نصٌ لولا طوله المقبول لصنفته قصيدة شعر صينية حيث توافرت فيه كل خصائصها المعروفة من حيث الجمع بين الانسان والطبيعة و الأجنحة او الطيور او ما شابه في مزيج متجانس يطرب السمع ويريح العين، ويحفز الذهن.

……………

محمد البنا ٢٤ مارس ٢٠٢١

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: