مقالات

تنبؤات النصوص التوراتية و سيكولوجية صُنّٰاع السياسة الخارجية لإسرائيل .. و مغزى الدفع فى اتجاه دعم بناء سد النهضة

كتب / د.السيد عبدالرازق هاشم - استاذ العلوم السياسية

نتناول فى هذا المقال الذى يمكن أن يرقى إلى مستوى البحث أحياناً علاقات إسرائيل الدولية مع دول المنطقة و بصفة خاصة مع مصر التى احتلت مكانةً كبيرةً و حظيت بإهتمامٍ بالغٍ منذ القِدَم لما لها من دورٍ مؤثرٍ فى مُجريات الأحداث عبر العصور التاريخية و حتى الوقت الراهن .. لكن من الأهميةِ بمكان أن نُسَلِّطَ الضوءَ على بعضِ المُسَلَّمات التى تُعين على الإستقراء و التوَصُّلِ إلى النتائج :

 

– السياسة الخارجية للحكومات هى الوجه الحقيقى لثقافات الشعوب و إرثها الحضارى .

– السلوك الفردى فى مواجهة المجتمع تماماً كالسلوك الجمعى للمجتمعات فى مواجهة المجتمعات الأخرى يتأثر بالعُقَدِ النفسية و المواقف التاريخية و القراءات الإنسانية المُكوِّنة للعقائد و الإيديولوجيات .

– التنبؤات التوراتية العالقة فى ذِهْنِ كُل توراتى – صنعته سيرة اليهود المقدسة – تتشعبُ بالتوراتيين إلى ثلاث مجموعات فمنهم من يُكِنُّها فى نفسه .. و منهم من يترقبُ حُدوُثَها و ينتظرُ وقوعَها .. و منهم مَنْ

يدفعُ الأحداثَ فى اتجاهها بغرضِ تحقيقها ..

لعلَّنا – مع ذلك – نستطيع فهم سر النبوءات التوراتية عن مصر التى لم تنتهِ و التى تُرَكِّزُ جميعها على خراب مصرَ و تدميرها و جفاف نيلها و هلاك الإنسان و الحيوان على أرضها .. فالقصص و الأفكار و المبادئ الفلسفية الكامنة طَىَّ النصوص المقدسة و التى تمتد إلى آلاف السنين من الفكر و الدراسة ربما تحتل مكاناً بارزاً على رُقعةِ الثقافةِ الإسرائيلية الحديثة إذ أنَّ هذه الثقافة تستمد الكثير من عناصرها من التراث القديم فلا عجب إذاً أن تتجاوز النصوص المقدسة لليهودية مغزاها الدينى بكثير إهتمام .. إذ أنَّ ما تحمله هذه الوثائق القديمة فى طياتها لا يقتصر على تعاليم الدين اليهودى فحسب بل يشمل كذلك التراث التاريخى و الثقافى و الإجتماعى للشعب اليهودى وذلك يُدَلِّلُ على أهمية التوراة الشفاهية المسمَّاة ( المِشناة ) التى هى بمثابة تفسير تحليلى للتوراة المدوَّنة و تفيدُ التقاليد اليهودية الموروثة أن التوراة الشفاهية أُنزِلَت على موسى فى جبل سيناء ثم تناقلها أخيارُ الناس و الزعماء الدينيون عبر الأجيال المتعاقبة ليبقى فهمها و تفسيرها عند الحاخامات فقط !

بعض النبوءات التوراتية عن مصر

 

النبوءة الأولى : ( أشعياء ١١ ) : “ويُبيدُ الربُّ لسانَ بحرِ مصرَ و يهزُّ يَدَهُ على النهرِ بقُوَّةِ ريحه و يضربه إلى سبعِ سواقى و يجوزُ فيها بالأحذية” .. “يبيد لسان بحر مصر” أى لا يكون للدلتا وجود .. و “سيهز النهر إلى سبع سواقى” أى ستتأثر مياه النهر حتى السبع سواقى بأرض الفيوم ربما بزلزلة عنيفة أو تدريجياً بإنفتاح النهر على أراضى الدلتا الغارقة

 

النبوءة الثانية : تؤكد سابقتها .. حزقيال النبى تنبأ بأن سكان مصر سيتراجعون إلى مصر العليا أو صعيد مصر أو أرض الجنوب المسماة (ڤتروس) و كانت عاصمتها (طيبة) و سكانها هم شعب (ڤتروسيم) أحد الشعوب السبعة التى خرجت من (مصراييم) مصر – سفر التكوين ١٠/١٤ و الأخبار ١/١٢ .. و فى حزقيال ٢٩ : ” لذلك هكذا قال السيد الرب : هأنذا أجلب عليك سيفاً و أستأصلُ منك الإنسان و الحيوان و تكون أرض مصر مُقفِرةً و خربةً فيعلمون أنى أنا الرب لأنه قال: النهر لى و أنا عملته لذلك هأنذا عليك و على أنهارك و أجعل أرض مصر خَرِبَاً خَرِبَةً مُقْفِرَةً من مَجْدِل إلى أسوان إلى تُخوم (كوش) لا تمر فيها رِجْلُ إنسان و لا تمر فيها رجل بهيمة و لا تُسكَنُ أربعين سنة و أجعل أرض مصر مقفرة وسط الأراضى المقفرة و مدنها فى وسط المدن الخربة تكون مقفرة أربعين سنة و أشتت المصريين بين الأمم و أبددهم فى الأراضى لأنه هكذا قال السيد الرب :”عند نهاية أربعين سنة أجمع المصريين من الشعوب الذين تشتتوا بينهم و أرد سبى مصر و أرجعهم إلى ڤتروس إلى أرض ميلادهم و يكَوِّنون هناك مملكةً صغيرةً تكون أحقرَ الممالك فلا ترتفعُ بعدُ على الأمم و أقلِّلُهم لكيلا يتسلطوا على الأمم”

النبوءات التى تتوعَّد مصر لا نهاية لها و لا مجال لذكرها جميعها ولكن الواضح لكل ذى عين أن الساسة فى إسرائيل يجْهَدون فى سبيل تحقيقها فنجد أفيجدور ليبرمان وزير خارجية إسرائيل السابق (حزب إسرائيل بيتنا) المتطرف أثناء مباحثات كامب ديفيد الثانية يهدد بمعاقبة مصر على رفضها الضغط على رئيس السلطة الفلسطينية ليوافق على قبول السيادة الإسرائيلية على الحرم القدسى الشريف و كان تهديده بنسف السد العالى و إغراق مصر من أسوان إلى الإسكندرية .. تهديد ليبرمان هذا يؤكد أنه كان يدفع فى اتجاه تحقيق النبوءة اليهودية فبادر بزيارة إلى دول المنبع بعد توليه وزارة الخارجية و تأليبه لتلك الدول على مصر وما يحدث الآن من دفعهم فى اتجاه بناء سد النهضة لمنع المياه عن مصر و تجفيف مياه النيل ما هو إلا سيرٌ فى تحقيق ما تنبأ به أنبياؤهم فى العودة إلى مصر بعد تدميرها و تحقيرها بين الأمم ..

 

الدور الإثيوبى فى تحقيق أهداف إسرائيل ..

 

تنشط إسرائيل بشكل لافت فى مجاهل إفريقيا بإقامة المدارس التى تُعَلِّم العبرية و تقيم المشروعات لتكسب ود هذه الشعوب فى مواجهة مصر ولا تألو جهداً فى نصب الفخاخ لمصر فى الجنوب مع دول المنابع فها هى تبنى (سد النهضة) بإكتتاب إسرائيلى و تسيطر على جنوب السودان – بعد أن لعبت دوراً رئيسياً فى انفصاله عن الشمال – بشراء أراضيه بأبخس الأثمان لتضع قدماً فى طريق منابع النيل ..

إذاً كيف التقت إرادة إثيوبيا و إسرائيل ضد مصر ؟

حقيقة الأمر – بالنسبة للإثيوبيين – لا يعدو كونه حقداً كامناً فى الضمير الجمعى يعود إلى هجرة عرب اليمن الأولى إلى أرض الحبشة و كان اليمنيون أصحاب حضارة و دولة نقلوا معهم حضارتهم إلى الأرض الجديدة وعلموا أهلها الزراعة و العمارة فأحس الأحباش بالدونية مقارنةً بالعرب و فى أيامنا يتطلعون إلى القاهرة بأضوائها و نيلها الذى يذخر بالحياة فيجدون أنفسهم بعيداً عن هذه المدنية ..

و استغل الإسرائيليون يهود الفلاشا (الإثيوبيين) كمكون إجتماعى إسرائيلى فى التقريب بين البلدين و أوغروا صدور الإثيوبيين بإيهامهم بأن المصريين يعيشون فى رفاهية بسبب النيل الذى يأتى من الهضبة الإثيوبية بينما هم يعيشون فى فقر مدقع دون أن يستغلوا مواردهم و اقترحوا عليهم بناء السد الذى به ينهضون ..

 

وجاء الإسرائيليون إلى إثيوبيا مُحمَّلين بأضغان تاريخية و تحمل ثقافتهم أهمية كبرى للمياه :

– فقد خرجوا من مصر و قد أغرق الله فرعون و جنوده بالماء أمام أعينهم .

– اقتحم المصريون خط بارليف المنيع فى حرب ١٩٧٣ باستخدام المياه و أغرقوهم بنيران مدافعهم

– تنبؤهم توراتهم بجفاف النيل وهلاك المصريين و تشتتهم بين الأمم لتتهيأ لهم عودتهم إليها .

– و فى بناء السد على النيل الأزرق الذى يمد نيل مصر بنحو 80% من إيراده إما حجب الماء عن مصر فيجف النيل ويهلك المصريون و إما ينهار السد وتغرق مياهه سكان مصر فتخلو لهم وتتحقق نبوءة العودة إليها

 

لكن قبل أن ننهى مقالنا يتبادر إلى الذهن تساؤلات تحتاج إلى إجابة شافية .. فمن هو الرب الذى يحمل لمصر كل ذلك الحقد؟ مرت آلاف السنين و لم تجف مياه مصر و لم يهلك أهلها فهل تتحقق نبوءات حاخاماتهم؟ كيف و قد استجاب الله عز وجل لدعوة محمد النبى بألا يهلك أمته بسَنَةٍ عامة؟ كيف و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فى أهل مصر أنهم فى رباطٍ إلى يوم القيامة؟ كيف و قد قال نبينا عن مصر أنها آخر بلاد الدنيا خراباً قبل المدينة المنورة؟

فنحن – المصريين – لن نهلك قبل أن يهلك العالم و نحن فى رباط دفاعاً عن حوزة الدين بأمر ربنا ..

كذبت نبوءات بنى إسرائيل و صدق شرعنا .. فليعمل بنو يهود و إنا عاملون !!!

 

الوسوم

محمود حسان هاشم

الـمديـر التنفيذى بـجـــريدة الـجمهور العربي . مؤسس فريق آثـريون للوعى الاثري. مرشد سياحي بالمتحف القومى بالاسكندرية . مرشد سياحى بـالمتحف الــمصـري بالتحرير . مسئول الاشتراكات بـ الإتحاد المصري للأثريين المصريين . محرر صحفى بجريدة الاهرام الإخبارية. محرر صحفى بجريدة عشموذيع الإخبارية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: