Uncategorized

وهل لماء أن يستقر

المقاصه السودانيه مي عبده عزت والناقد المصرى محمد البنا

وهل لماءٍ أن يستقر ؟!

قراءة عامة لنص” عرش على الماء ”

للقاصة السودانية / مي عبده عزت

بقلم الناقد المصري / محمد البنا

………..

عرش على ماء!، وأنّى لماءٍ أن يستقر!

نص حفل بالثنائيات المتضادة، ما بين صعود ( وهمي ) وهبوط ( حقيقي)، وبين ناطحة سحاب ( قمة ) و فرن جدتي ( قاع )، وبين تحليق( طائر، جاكوزي) وعجز كامل ( سيدها ).

إنه الهروب إلى الخلف، والصعود إلى أسفل، إنه الفاقة وتداعياتها؛ الحرة عبدة جارية لا تملك من أمرها شيئا، سوى النظر من علٍ، لقاعٍ هربت منه، بعد أن دفعها إلى الغنى والمتعة( ظاهريا ) بينما في حقيقته جذبها لأسفل سافلين.

في زمننا الحديث ( جاكوزي، ناطحات سحاب ) لا رق ولكن استرقاق، لم تكن جارية ولكنها محظية، ينالها سيدها ( المال ) وقتما يشاء وكيف شاء.

أرادات أن تتعرى وترقص، إنه رقص الذبيح الحبيس ( جدران أربعة )، لا علاقة لها بالدنيا وبشرها، فتلجأ لهر ونيسا ومطلعًا على لوعتها النفسية، وكاتمًا لأسرارها، ولكن أي سرٍ تخفي وهى العارية وإن لم تتعر، عارية النفس تحت الطلب، تضع جسدها حيث شاء مالك أمرها، لا صلة لها إلا به، ومتى ؟..حين يشتهيها وليس حين تشتهيه، حتى تواصلها مع وصيفاتها يتم عبر نداء آلي!..أي حقارة تلك وأي تحقير!..عبودية ووحدة!!…لا تحتاج أن تنزع عنها ملابسها، فهى نزعتها وتنزعها وستنزعها، ليس لأن لا أحد سوف يراها، ولكن لأنها اقدمت منذ زمن على تعرية روحها، ولكن لم تكن تدرك، ولم تكن تحس، ولم تكن ترى، والآن أيقنت عريها، ترى ماذا ستفعل؟..الدور الرابع والثلاثين!!.. ترى كم بقى من أدوارٍ لها؟!

وجدران تحطيها ونوافذ زجاجية…ربما غير قابلة للكسر! ولكن هل لكسير نفس أن يكسر زجاجا، ويفرد جناحيه المهيضين ويطير …إلى الشارع ( الحياة الحقيقية )…سؤال طرحه النص، وأوكل إجابته لنا…نحن القراء المتفرجون وعيوننا تتطلع لأعلى ناطحة سحاب.

نص مونولوجي موحي بجدارة، متعدد المفاتيح كسلسلة مترابطة، أجادت الكاتبة باختيارها ضمير المتكلم، والراوي السارد المشاهد العليم في بعض مواضعه، اجادت الاختيار بما يناسب النص النفسي بامتياز، فهل لسجينٍ في زنزانة انفرادية أن يتحدث إلى أحد ..إلا نفسه!..يعريها وتعريه.

ونجحت في اختيار الكلمات الدالة بطلاقة عما يتطلبه ويرومه الفكر المؤسس للمتن السردي.

ونجحت في نزف عبير سردي هادئ في ظاهره، عنيف في باطنه المشتعل.

ونجحت في تقديم معالجة استثنائية تركت الباب مفتوحًا لما بعد.

محمد البنا…١١سبتمبر ٢٠٢٠

……………..

النص

…….

#عرش_على_الماء..

 

ما أجمل المنظر من خلف النوافذ الزجاجية، وما أروعه حين يكون من على ارتفاع خمسة وثلاثين طابق.

ياترى!! بماذا كان يفكر المعماري الذي صمم ناطحة السحاب هذه؟!

لابد أنه فكر في إمتاع البائسين أمثالي، الذين يشاهدون العالم من بعد، دون الأختلاط بالمارة، في الدرك الأسفل من الدنيا؛ حيث تفوح رائحة التعب والشقاء، وقد التصقت بهم أهداب الشمس من بعد عناق حار.

يباغتهم المطر تارة، ساخراً من مساحيق التجميل الرخيصة التي يستخدمها نسائهم، أو تبتلعهم الأتربه، ليخرجوا بعدها بشعر أشعث مغبر.

_غارت نظرتها، وقالت:

رغم أني!!

اشتقت لعبق الأرض والعشب البهي، ورائحة الخبز التي تفوح من فرن جدتي، وطعم التوت المجفف في منزلنا القديم.

_حينها تراجعت وكأنها تبتعد عن الأشواك.

لكن لا!!

 

لا لن أدنو من الأرض؛ أخاف أن أتوه فيها؛ فلا أستطيع العودة مرة أخرى.

 

_دنت من الهر الرمادي مداعبة عنقه لكي لا يشي بما يسترق السمع إليه من أسرارها.

واخبرته: ليس منهم من يستطيع امتلاك جناح فاخر مثلي، أليس كذلك أيها المشاكس؟!

سأشعل الجاكوزي الحار لأشعر ببعض الأسترخاء بعد الليلة الصاخبة!!

لابد من بعض الموسيقى الكلاسيكية،

وقطعة شوكلاتة سوداء فاخرة لتذوب في فمي، كما أذوب أنا كل يوم أمام هذه المرآة.

كرهت ما تمليه علي كل يومٍ عن شكر النعم،

أيُّ نعمة تكون في الضجر مابين أربعة جدران زجاجية!!

السنوات كلها تقلصت في فصل واحد لا ينتهي.

ما أبشع أن تشاهد الجميع يتحرك، يتغير، ويتلون إلا أنا!!

حتى أني قد فكرت يوماً في التعري، والرقص أمام الجميع، لكن من هو ذاك المجنون الذي سيرفع رأسه لينظر لهذا الارتفاع المجنون.

 

_لملمت ابتسامتها المتهدلة، خوفاً من لعنة التبطر.

_رفعت شعرها بمشبك من الذهب الخالص وأفرغت علبة كاملة من مزيج اللافندر وخلاصة المسك في الماء الدافئ، ثم همت بالدخول فيه لنسيان كل ما مضى، استعداداً لليلة جديدة.

 

أحدهم ينقر باب غرفتي!!

عبر الرد الآلي أجبت بالسماح .. إنها أحدى وصيفاتي.

أخبرتني أن علي ارتداء الثوب الأحمر، ذو الخيوط المجدولة على الظهر، ووضع العنبر بين خصلات شعري كما أمر سيدها، وسيدي.

ثم خرجت ترثو لوحدتي!

أيقنت حينها، أنني بالفعل عارية.

 

مي عبدالحميد…….١١سبتمبر٢٠٢٠

السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: