بيت الأدباء والشعراء

ادهم المتولي

مصطفي محمد علاء

” أدهم المتولى “

قصة قصيرة 

 

كان الأخ الأوسط ، أقلهم تعليما ، و أقواهم جسدا ، لم يكمل تعليمه فإحتك مبكرا بالتجار و صراعات السوق مما أكسبه صلابة و ثقة و إعتمادا على النفس و أنشأ له محل متواضع صغير ، لم يكن هناك أصلح منه لإدارة تجارة أبيهم الذى أقعده المرض و أثر على ذاكرته .

 

 كان المتجر الذى تركه لهم أبوهم مثقل بالديون ، و بالرغم من ضخامته و كثرة العاملين به إلا أنه كان يحقق بعض الأرباح فى مواسم ثابتة من السنة ، و كان الإيراد يكفى بالكاد أجور العاملين و بعض الأموال تساعد الإخوة الثلاثة و أمهم على نفقات الحياة لأشهر قليلة ، و لكن أدهم المتولى ، الذى جاء من عمق السوق و بالرغم من قوته ، كان نقص تعليمه يشوش دائماً صفاء تفكيره ، فتجده مثلا يشترى كلبا بخمسة ألاف جنيه لحماية محله الصغير الذى لا يحتوى على بضاعة بهذا الثمن كما أنها ثقيلة جدا لا يمكن نقلها إلا بمعدات خاصة ، كان المتجر الكبير لأبيه بمساحته الضخمة كنز أهدى له ، فقام أول موسم أرباح بأخذ نصف الأرباح من إخوته لتسديد الديون ، و بالرغم من أن معظم الدائنين كانوا يكتفون بالحصول على أقساط الدين فى موعدها ، إلا أنه أصر على دفعها بالكامل

 و قال : متجر المتولى هو الأقدم و لا يليق به أن يكون عليه ديون

 

 عرضت الحكومة قطعة أرض مجاورة للمتجر ، للمزاد العلنى و دخل فيه كبار التجار ، أصر أدهم المتولى على دخول هذا المزاد ، حاول إخوته إقناعه بأن هذه الأرض لن تحقق أرباح و المتجر متسع بما فيه الكفاية 

قال لهم أدهم ، و هل باقى التجار أكثر إحتراما منا ؟

هل نحن ضعفاء غير قادرين على منافستهم ؟

متجر المتولى هو الأقدم و لا يليق به أن يكون أقل من منافسيه 

و بالفعل ركز كل جهوده و أرباحه و ربع أرباح إخوته و أمه للحصول على هذا المزاد ، و بعد كفاح فى المزاد حصل على قطعة الأرض بخمسة أضعاف ثمنها ، و أصر على إقامة سرادق ضخم وزع فيه اللحوم و الأموال و أضاء الأنوار و الأغانى فى الحى كله 

 

   كان الجميع يشاهدون الإحتفالات و توزيع الصدقات ، و الأضواء فازداد إحترامهم لعائلة الحاج متولى ، و إكتسبوا ثقة الموردين و زاد عملاء متجر المتولى ، مرضت والدتهم مرضا شديداً 

تسارع أطباء الحى لعلاجها ، و تبرعوا بقيمة الكشف و أرسلوا لأدهم متولى ، أسماء عدة أدوية مستوردة مرتفعة الثمن و عالية الكفاءة ، و ما أن علمت إحدى الصيدليات الكبرى بالمنطقة بذلك ، فقامت بتوفير الأدوية بكميات كبيرة حتى باب المنزل ، و أرسلوا الفواتير لمتجر المتولى … رفض سداد الفاتورة و قال هذا إستغلال أنا لم أطلب هذه الأدوية الغالية ، هذه سرقة 

و متجر المتولى متجر قديم ، لا يليق به أن يتعرض للسرقة بالإكراه ، و رفض سداد أى شىء 

 

  مر عام كامل ، و لم يحصل أحد من العائلة على أى أرباح تذكر ، فقد زادت نفقات أدهم بشكل كبير ، إشترى زى موحد غالى الثمن لكل العاملين بالمصنع و تعهد لهم بغسيل هذا الزى و الحفاظ عليه بشتى الطرق و إستبداله لهم مجانا لو حدث أى تمزق للنسيج و لو صغيرا ، قام بصنع لافتة إليكترونية ضخمة بعرض المتجر و بنى لها عمود ضخم جدا يعلو إرتفاعه فوق كل مبنى بالحى حتى مئذنة الجامع ، كما أشترى سيارة ضخمة جدا تشغل نصف المخزن التابع للمتجر مما اضطره لتقليل المخزون ليوفر مكان لائق للسيارة الفخمة ، ذاع صيته فى الحى و الأحياء المجاورة و حاول الكثير من الناس التقرب إليه ، فمظاهر ثرائه وصلت لأعلى المراتب ، كان يأخذ الهدايا و العطاء من الأخرين و يكتفى بمنحهم سلطات شرفية بالمتجر ، فهذا الراعى الرسمى للمتجر ، و هذا ابن المتجر البار ، و هذا فخر و شرف متجر المتولى …

 

  زاد المرض مرة أخرى على أمه الصامتة من الألم و الندم ، لم يرسل أحد لها الدواء و اكتفى أكرمهم بالدعاء ، فهم لم يأخذوا أى جنيه من هديتهم السابقة ، إنتشر خبر مرض أمه فقال : إنها حرم الحاج متولى و متجر المتولى و حرم المتولى لا يليق أن يعالجوا مع عامة الناس ، قام بالحجز لها فى أغلى المستشفيات الإستثمارية ، و نظير هذا باع النصف المتبقى من المخزون ، كان يذهب فقط لوالدته ليلتقط صورا لها فى المستشفى الفخم و ينشرها و يطلب من الناس الدعاء لها ، فهى حرم المتولى و المتولى إسم عريق لا يليق أن تمرض زوجته ! 

 

  توفت أمه من ألامها الجسمانية و النفسية و حسرتها على ضيق أحوال أولادها ، و كثرة توافد كبار الزوار عليها و إلتقاط الصور و بعض الأحاديث الصحفية المملة ، كان أدهم قد أنفق كل الأرباح و بدد كل المخزون بل و لا زال عليه أقساط السيارة و ديون للموردين ، فلم يجد أمامه سوى أن يرهن متجر المتولى العريق لأحد البنوك الكبرى ، و أخذ قرض قام بصرفه كله على جنازة حرم المتولى ، و عائلة المتولى .

 

( تمت )

 

مصطفى محمد علاء بركات 

 

٢٠٢٠/٩/٢

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: