بيت الأدباء والشعراء

حتمية الحرية للإنسان

طه دخل الله عبد الرحمن

حتمية الحرية للإنسان
إذا كانت الحرية تدرك كنقيض لكل حتمية أو إكراه داخلي أو خارجي يمكن أن يرتبط بمكامن الشخصية، أو يرتبط بالإشراطات الأخلاقية والسوسيو ثقافية، فإن التأمل الفلسفي في مفهوم الحرية باعتبارها تعبير عن إرادة الفرد، يجعلنا نميز بين الحرية من حيث هي فكرة منطقية، والحرية كفعل عملي يمارسه الإنسان في الواقع الذي بينت مختلف الدراسات السوسيولوجية أنه واقع تتراكم فيه الحتميات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية التي تحد أو -على الأقل – تجعل حرية الفرد مشروطة ومحدودة. وبالنظر إلى كل هذه الاعتبارات، فلا ريب أن يصير الحديث عن الإرادة والحرية الإنسانية موضوعا يطرح عدة تساؤلات.
– فهل لفظ الحرية مفهوم واضح الدلالات؟ أم أن دلالاتها جد مركبة ومتعددة الأبعاد بالنظر إلى ارتباطها بالواجب الأخلاقي؟
– من أين تستمد الحرية مشروعيتها؟ هل تستمدها من إرادتنا، أم من قواعد وقوانين خارجة عنا؟ أليست الحرية أو الحريات في حاجة إلى ما يقننها خارجيا؟ أم أنها انبثاق تلقائي لا يخضع إلا لذاته؟
فمن الواضح أن الشعور علامة أولى على استقلال إرادتنا، فالشعور بالحرية ملازم للشعور بالشخصية، فالإنسان يشعر بالحرية ويعتقد بها، ما دام يعي أسباب أفعاله وهو مسؤول عنها؛ إلا أن شهادة الشعور بالحرية غير كافية لإثبات وجود الحرية المطلقة، فأحيانا لا ندري هل نتصرف بحرية أم أننا نخضع لإكراهات خفية ورغبات لاشعورية.
على هذا الأساس، فهل تتعارض الحرية مع الحتمية؟ أم أن الوعي بالحتميات التي يخضع لها الإنسان هي أساس الحرية؟ أو بعبارة أخرى، هل يمكن أن نتحدث عن حرية مطلقة غير مشروطة؟
فالفيلسوف العربي بن رشد في أطروحته عن الحرية والحتمية نستخلص:
لا يمكن فهم المتن الفلسفي الرشدي عامة، وما يرتبط منه بالإشكالية قيد التحليل، إلا من خلال استحضار الصراع الذي كان قائما بين المتكلمين (أشاعرة ومعتزلة)، بين من كان يأخذ بالجبرية Fatalisme القائلة بالقضاء والقدر، ومن كان يعتقد بحرية الإرادة الإنسانية؛ في هذا السياق يمكن اعتبار أطروحة بن رشد تعبيرا عن تصور توفيقي، إذ لا يمكن القول بحرية الإنسان المطلقة، كما لا يمكن كذلك نزعها منه بشكل مطلق، فهو حر في أشياء ومجبر ومكره في أشياء أخرى.
إن الإنسان حر من حيث إنه يمتلك الاستطاعة والقدرة على إتيان فعل ما كيفما كان نوعه، يمكنه أن يأتي فعل خير بنفس قدر الحرية التي تسمح له بأن يأتي فعل شر، وهو بهذا المعنى حر في اختيار أفعاله؛ لكن ما ينبغي التنبيه إليه هو أن هذه الاستطاعة أو القدرة التي يتميز بها الإنسان، ترجع علتها إلى الله الذي وهبنا إياها. على هذا الأساس يمكن القول إن الإنسان خلق مجبرا ومكرها على أن يكون حرا، وحريته مشروطة بمحدودية قدراته البدنية وقوانين الطبيعة الإلهية.
من هذا المنطلق يبدو أن بن رشد قد سعى إلى موقعة الفعل الإنساني بين الحرية والحتمية من خلال توفيقه بين الحرية في اختيار الفعل والقدرة الإلهية في إتيانه.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: