بيت الأدباء والشعراء

ياليلة العيد.

علي الشافعي.

حديث الجمعة بقلم علي الشافعي
يا ليلة العيد انستينا
( يا ليلة العيد انستينا وجددت الامل فينا ) اغنية طالما صدحت بها الراحلة ام كلثوم عبر الاذاعات العربية ليلة العيد المباركة , بالتزامن مع التكبيرات المنطلقة من سماعات المساجد . العم سالم كان جالسا امام البيت على اريكة خشبية , تحته فرشة من الصوف متكئاً على وسادتين , يمتع سمعه بتلك التكبيرات ثم صوت الاغنية , سرح فكره قليلا وهو يسمعها , واغمض عينيه مع ابتسامة تردد صدي سني العمر , وهو يقف عند ليلة لا تنمحي من خاطره , ولا يتذكرها الا وترتسم الابتسامة على محياه , انها ليلة ذلك العيد طيبة الذكر :
كعادته كل عام منذ ان وعى واصبح غلاما يافعا , ينتظر سالم ليلة العيد بفارغ الصبر , يتجهز لها من بعد ظهيرة ذلك اليوم , يعد الساعات بالدقائق والثواني , يتوق شوقا لسماع تكبيرات العيد تنطلق من مكبرات الصوت في المساجد معلنة ان غدا صباحا هو اول ايام عيد الفطر السعيد , ثم يترنم على اغنية ( يا ليلة العيد انستينا ) عبر اثير الاذاعة , اخذ يتخيل كل خطوة سيخطوها مع والديه من مكان اقامتهم على اطراف البلدة الى سوقها الذي يعج بالمتسوقين في تلك الليلة المباركة .
عاد الوالد من عمله قبيل الغروب وسرعان ما تحلقت الاسرة حول مائدة الافطار , وكل واحد من الصغار يضع امامه ما كان خبأه في النهار , هذا حبيبات من اللوز او الجوز , وذاك قطعة من الحلوى , وثالث حبيبات من التمر . ضرب المدفع وانهمك الجميع في تناول ما قسم الله لهم , وما هي الا لحظات حتى اعلن قاضي القضاة ثبوت رؤية هلال شهر شوال المبارك , ترك الاطفال الطعام واخذوا يتقافزون ويتحلقون حول والدهم , يهنئونه بالعيد ويقبلون يده ويد والدتهم , وكل يملي طلباته الا صاحبنا , فهو الابن الاكبر والذي سيرافق والديه في رحلة التسوق المعتادة . اخذ الوالد يضمهم الى صدره كزغب القطا هاشا باشا وهو يقول : حاضر حاضر !! كل عام وانتم بخير , ثم نظر لام العيال : كل سنة وانت سالمة جاهزون ؟ ردت عليه بابتسامة تخفي خلفها سعادتها وابتهاجها : نعم , ثم عمدت الى مفتاح صغير معلق في جيدها , فتحت فيه احدى درف الخزانة فأخرجت منها صرة وضعتها بين طيات شالها , ثم القت بعض التعليمات على الصغار , وسرعان ما امتطى الاب صهوة جحش قبرصي كبير , ضخم الهامة اشهبها , عالي الظهر اصلبه , جميل المِعرفة انضرها , طويل الاذنين كطبقين من الاطباق اللاقطة هذه الايام , اردف الغلام خلفة وانطلقا وسارت الوالدة خلفهما بهمة ونشاط . العرف السائد تلك الايام :عيب ان تركب المرأة على الحمار ويراها الناس , ولا يُعرفُ ما ان كان ذلك تكريما لها ام خوفا من ركوب الحمار , في زمن كانت العروس تزف على الخيل .
كانت المسافة بين البيت و سوق البلدة حوالى ثلاث كيلو مترات , احسها صاحبنا ثلاثة اعوام حسوم , وما ان وصلوا السوق دخلوا متجرا معتادون على التعامل معه لكسوة افراد العائلة في كل عام , بالمقابل يصبر عليهم صاحبه ان تبقى له شيء . رحب التاجر بهم وسرعان ما فرد بضاعته امامهم واشار للام ان تختار للصغار ثم قال : لنبدأ اولا بالبطل اخرج قميصا من (الكاكي) الاخضر ثم بنطالا من (الكاكي )البيج , وهذا لباس اغلب طلبة المدارس في ذلك الوقت , فيكون لباسا للعيد ثم ينزل للساحة ( للمدرسة ) بعده , احضر بعد ذلك حذاءً اسود جميلا وقال : قس هذا , كاد الغلام ان يطير من الفرح وهو يضع رجله بداخله , ثم وضع التاجر فوقه زوجا من الجوارب وقال : وهذه هدية مني لقدمك الذهبية , تأبط الغلام الكسوة بسعادة غامرة متخيلا نفسه كيف سيبدو بها في العيد وعندما يقابل ابناء عمته في المدينة . اختارت الوالدة ملابس ومتطلبات باقي الاطفال , ثم قفلوا عائدين الى البيت . منظر لا ينسى كيف استقبلهم الاطفال , كل يريد حاجته قبل اخيه , تماما كفراخ العصافير عندما تأتي الام الى العش , وثم حمل كل منهم بضاعته الى رحله لتنام هانئة في احضانه .
جهز صاحبنا فراش نومه ووضع جديده فوق راسه اغمض عينيه سارحا في نهار العيد بألعابه وعيدياته مراجيحه , والمدينة وصخبها والعابها : غدا سأخرج مع ابي لصلاة العيد , بعدها نعود نتناول الافطار ثم نلبس الجديد , نعيّد على الاسرة ثم انطلق معه على ظهر ذلك الحمار لنصل المحطة قبيل انطلاق باص البلدة الوحيد الى المدينة , في العادة يتركان الحمار عند احد المعارف يمتطيانه مرة اخرى في رحلة العودة . منظر ممتع وهو يتخيل نفسه في المحطة بانتظار الصعود الى الباص , والجلوس في مقعد خلف السائق بجانب النافذة ؛ يستمتع بمنظر الحقول وهي تجري من حولهم فيتساءل : من الذي يسير الحقول ام الباص , وتخيل نفسه يقف ــ في المدينة ــ عند عربة الهريسة والنمورة تارة وعربة البراد والمثلجات اخري وتستوقفه وتستهويه زينة العيد على ابواب المتاجر , وكأنه سها قليلا أفاق منها على تكبيرات العيد .
في العادة يخرج الرجال لصلاة العيد وتجهز الامهات الافطار والقهوة وحلويات العيد , تتناول الاسرة طعام الافطار , ثم يلبسون الجديد , ويتحلق الاطفال ليأخذ كل عيديته وينطلق بسعادة الى المراجيح , بعد ذلك امتطى صاحبنا صهوة الحمار خلف والده وناولتهم الوالدة سلة من خيرات الريف الفلسطيني كهدية للعمة , وانطلقا وسط دعوات الام بالحفظ والرعاية والعودة السلامة .
في الطريق ــ يا سادة ــ حصل ما لم يكن في الحسبان , بدأ وجه سالم يتلون , عصرات شديدة اسفل البطن , واخذ يتلوّى . انتبه الوالد , نظر خلفه ثم اوقف الحمار: ما بك ؟ قال الوالد , بطني يؤلمني : قال الغلام , قال الوالد : الظاهر انك اخذت قليلا من البرد , عندما نصل عمتك ستعمل لك كوبا من الميرمية او الزعتر , ثم تابعا مسيرهما ولكن ؛ ملعونة تلك الالام التي لا تبارحني , لِمَ تفسد علي فرحة العيد والسفر : قال الغلام في نفسه . تلوّى مرة اخرى وتلون فطلب من الوالد الذهاب للخلاء , أُوقِف الحمارُ وانطلق صاحبنا كالريح في احد الحقول المحاذية للطريق , عاد منها مرتاح البال مشروح الخاطر , فاكملا المسير , لكن ( يا فرحة ما تمّت ) عاد الالم من جديد وبدأ الغلام يتعصر ويتلون مما اضطرهما ان يتوقفا مرة اخرى , قال الوالد : والامر هذا يا بطل لا نقدر ان نوقف الباص في الطريق , وعندما وصلا المحطة قال الغلام : لم ترسل الحمار الى بيت ابي حمدان كالعادة , قال الوالد : كلا , ستركبه يا بطل في طريق عودتك الى البيت , فلا اقدر ان اغامر واخذك معي , وسأنقل لعمتك واولادها تحياتك , في العيد القادم تغطّى جيدا . طاب يومكم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: