بيت الأدباء والشعراء

حديث الجمعة

على الشافعي

حديث الجمعة بقلم على الشافعي
بيت العز
كلما استمعت الى اغنية الراحلة كوكب الشرق ــ كما تعارف الناس على تسميتها ــ :
ذكريات عبرت افق خيالي بارقا يلمع في جنح الليالي
نبهت قلبي من غفوتـــه وجلت لي ذكر ايامي الخوالي
ارجع الى تلك الايام الخوالي من ذلك الزمن الجميل , فاسرح بخيالي وتتوق روحي الى مشهد لمّة الاسرة على مائدة العشاء , والسهرات في ليالي الشتاء الدافئة حول كانون النار , والسمر ليالي الصيف على ضوء القمر , تلك اللمّة التي تفتقدها الكثير من اسرنا ومجتمعاتنا هذه الايام , وان كان يضمهم بيت واحد , فامصمص شفتيّ وأتنهد واردد اغنية الراحلة فايزة احمد : (بيت العز يا بيتنا على بابك عنبتنا , فيها خضرة وظليلة بترفرف على العيلة) . ساق الله على ايام زمان .
وعيتُ ــ ايها السادة الكرام ــ على الدنيا في بيت ريفي في قرية من قرى الشمال الفلسطيني , بيت كبير على نظام العقود في فلسطين ذي الشكل الجملوني من الداخل , وقبة من الخارج تمنع تجمع الامطار على السطح . لان البيت عادة مبني من الحجارة والطين في الفترة التي سبقت الاسمنت , وهذا هو احد انظمة البيوت في فلسطين في تلك الحقبة , وخير شاهد على ذلك نظام السوق العتيق في مدينة نابلس .
بيتنا ايها السادة كان حجرة واحدة واسعة , مساحتها قرابة خمسين مترا من الداخل دون حساب للأثاث , فالأثاث عادة يكون في مشكاوات ( كوات او تجاويف في جدار البيت ) فواحدة كبيرة للفراش واخرى لتخزين المواد الغذائية كالمخللات والمربيات ومشتقات الالبان , وكذلك ادوات المطبخ , اضافة الى خوابي القمح والدقيق والبقوليات , كل ذلك في الجدار , حيث ان سمكه قرابة المتر .
بيتنا من الفجر وحتى المساء هي حجرة معيشة , يسرح فيه الاطفال ويمرحون , في السهرة يفرش بترتيب لاستقبال الضيوف في السهرات الشتوية الجميلة , حيث الكانون وابريق الشاي ودلة القهوة حوله مع بعض التسالي حسب المقدرة . بعدها ينقلب الى غرفة نوم دافئة لكل افراد الاسرة مهما كان حجمها , فالأولاد في زاوية والبنات في اخري والاب والام عادة الفاصل بينهما . فالبيت اذن في دقائق يتحول حسب الحاجة , ففي الليل للنوم وفي النهار للمعيشة , وفي المساء مضافة . و لم تكن تعقيدات الحياة كما هي الحال هذه الايام ؛غرفة للسفرة واخري للنوم وثالثة للمطبخ ورابعة للضيوف وخامسة وسادسة , ومع ذلك لا تجد الدفء الذي اتحدث عنه .
صحن الدار في بيتنا فسيح فيه مجموعة من الاكواخ الصغيرة ؛ اثنتان للطابون ووقوده( مخلفات الزيتون بعد عصره) , وحجرة للحطب وثالثة للدجاج ورابعة للأرانب وخامسة وهي الاكبر للمواشي والدواب اما ابراج الحمام فتكون عادة في اعلى البيت وهي الابراج .
امام بيتنا مسطبة بطول واجهته وعرض حوالي ثلاثة امتار , مرتفعة قليلا عن صحن الدار , وهي معدة للسهرات الصيفية على ضوء القمر, او القناديل او اللُّكْسات , في زمن لم يكن يعرف الكهرباء .
في بيتنا تبدا خليلة النحل عادة عملها مع صياح الديك , حيث ان المسجد في وسط البلد ونحن في الاطراف , بالكاد نسمع تسابيح المؤذن , فتكون الوالدة اول المستيقظين فتذهب للطابون لتجهيز طرحة من الخبز المقمر الشهي , وما هي الا لحظات حتى تدار اكواب الشاي مع صحون الزيت والزيتون والزعتر او اللبنة او الجبن على ما قسم الله , مع كسرة من خبز الطابون (طيب الذكر) , بعد ذلك ينطلق العاملون الى اعمالهم والطلبة الى مدارسهم , والعمل عادة يكون من الصباح الى المساء , حيث تعود الاسرة مرة اخري الى الاجتماع وتناول العشاء , والاستعداد للسهرة واستقبال الضيوف من الاهل والاقارب والجيران .
اما النوم تحت قبة السماء السوداء المزركشة بنجومها اللامعة وقمرها المنير فذلك شيء اخر , كنا ننام تحت الاغطية الخفيفة نراقب النجوم في حركاتها وسكناتها , فنسال عن تلك المجموعة من النجوم فيقال لنا هي الميزان , كان الناس قبل وجود الساعات يستدلون بها على الوقت , حسب مكانها في كبد السماء فهي عادة ما تظهر منتصف الليل , ثم تبدا حركتها الازلية , وتلك مجموعة الثريا والابراج وذاك النجم القطبي ونجمة الصباح (كوكب الزهرة الذي يظهر لامعا بشدة قبيل شروق الشمس ) . كنا نتسامر ونتهامس ونتخيل اشكال النجوم ومسيرها واحيانا نعدّها فننام بعد النجمة العشرين او الثلاثين , ونرقب الغيوم عندما تمر من امام القمر فتغطيه للحظات محدثة اشكالا نطلق العنان للخيال كي يجسدها , نتخيل الراعي بأغنامه او العجوز بكمنستها الشهيرة او الثور الهائج او او او .
وبعد ــ ايها السادة الكرام ــ فهذه ذكريات من الزمن الجميل تداعب الفكر فتملا القلب حسرة والروح شوقا والحلق غصة , ايام افتقدناها فحننا اليها . اليوم تغير الزمان وتبدلت احواله فتفرق الاخوة والاحبة , فرقت بينهم الايام ولقمة العيش , اما لغة العصر فحدث ولا حرج , فتجد اليوم في البيت الواحد وفي فترة الذروة الصمت سيد الموقف , فالكل مشغول بهاتفه النقال هذا مبتسم وذاك عاقد الحاجبين مقطب الجبين , لا يدري من حوله ولا يسالونه عن السبب , فكل يغني على ليلاه . طاب يومكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: