بيت الأدباء والشعراء

سُورَةُ الضُّحَى(1) بقلم / محمد سعيد أبوالنصر

سُورَةُ الضُّحَى(1)
بقلم / محمد سعيد أبوالنصر
بين يدي السورة
– سورة الضحى ، مَكِّيَّةٌ ،وآياتها إحدى عشرة آية.
وهي تتناول شخصية النبي صلى الله عليه وسلم الأعظم، وما حباه الله به من الفضل والإنعام في الدنيا والآخرة ، ليشكر الله على تلك النعم الجليلة ، التي أنعم الله بها عليه .
– ابتدأت السورة الكريمة بالقسم على جلالة قدر الرسول صلى الله عليه وسلم
وأن ربه لم يهجره ولم يبغضه كما زعم المشركون ، بل هو عند الهن رفيع القدر ، عظيم الشأن والمكانة [ والضحى ، والليل إذا سجى ، ما ودعك ربك وما قلى ، وللأخرة خير لك من الأولى ] .
– ثم بشرته بالعطاء الجزيل في الآخرة ، وما أعده الله تعالى لرسوله من أنواع الكرامات ، ومنها الشفاعة العظمى [ ولسوف يعطيك ربك فترضى ] .
– ثم ذكرته بما كان عليه في الصغر ، من اليتم ، والفقر ، والفاقة ، والضياع ، فآواه ربه وأغناه ، وأحاطه بكلأه وعنايته [ ألم يجدك يتيما فآوى ، ووجدك ضالا فهدى ، ووجدك عائلا فأغنى ] .
-وختمت السورة بتوصيته صلى الله عليه وسلم بوصايا ثلاث ، مقابل تلك النعم الثلاث ، ليعطف على اليتيم ، ويرحم المحتاج ، ويمسح دمعة البائس المسكين [ فأما اليتيم فلا تقهر ، وأما السائل فلا تنهر ، وأما بنعمة ربك فحدث ] وهو ختم يتناسق فيه جمال اللفظ ، مع روعة البيان ، في أروع صور الإبداع والجلال .
التكبير عند ختم سورة الضحى إلى آخر القرآن الكريم .
يكبربعض الناس عند ختم كل سورة ،وذلك من آخر سورة الضحى إلى آخر سورة الناس مع البسملة بين كل سورتين فهل يجوز هذا التهليل والتكبير من بعد سورة الضحى إلى سورة الناس ؟ وهل ثبت ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين ؟
والجواب
اختلف العلماء في حكم التكبير بعد كل سورة ، من سورة الضحى إلى الناس ، فاستحبه الإمام أحمد ، وخالفه باقي الأئمة ؛ وعن الإمام أحمد رواية أخرى توافق قول الجمهور ،
قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله – :
” واستحب أحمد التكبير من أول سورة الضحى إلى أن يختم ، ذكره ابن تميم وغيره ، وهو قراءة أهل مكة ، أخذها البزي عن ابن كثير ، وأخذها ابن كثير عن مجاهد ، وأخذها مجاهد عن ابن عباس ، وأخذها ابن عباس عن أبيّ بن كعب ، وأخذها أبيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، روى ذلك جماعة منهم : البغوي في تفسيره ، والسبب في ذلك انقطاع الوحي .
وهذا حديث غريب ، رواية أحمد بن محمد بن عبد الله البزي ، وهو ثبت في القراءة ، ضعيف في الحديث .
وقال أبو حاتم الرازي : هذا حديث منكر … .
وعنه – أي : عن الإمام أحمد – أيضاً : لا تكبير ، كما هو قول سائر القراء ”
والصحيح أنه لا يشرع التكبير ، ولم يثبت هذا في حديث مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم ، كما لم يصح التكبير عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم، وإنما ثبت ذلك عن بعض قراء أهل مكة.
“وعلى هذا فالمشروع أن تفصل بين كل سورة وأخرى بالبسملة ” بسم الله الرحمن الرحيم ” إلا في سورة ” براءة ” فإنه ليس بينها وبين الأنفال بسملة ”
وروي حديث ضعيف غريب يفيد تكبير القارئ من من آخر سورة الضحى إلى آخر سورة الناس ، والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة.
وهاك بعض ما ورد في هذا :
رَوَى ابن كثير مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ ” وَالضُّحَى ” قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ
فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
وقد ألَّف شيخ المقرئين في المدينة النبوية الشيخ إبراهيم الأخضر رسالة بعنوان ” تكبير الختم بين القراء والمحدثين ” ، وقد ذكر في خاتمة هذه الرسالة ما نصه :
” ومن خلال ما تقدم من بحث أحوال الروايات ، وتحقيق سندها ، وتراجم رجالها : لم نجد غير رواية البزي – كما ذكر العلماء – ، وهي رواية تسلسلت بالضعفاء والمجروحين ، ولم تعضدها رواية أخرى من غير طريق البزي ، وذلك كما صرح كثير من علماء الروايات ، على أن بعضاً من مشاهير القراء كابن مجاهد في كتابه ” السبعة ” لم يورد التكبير ، وكذلك أبو القاسم الهذلي في كتابه ” الكامل ” لم يورد التكبير أيضاً ، وهذا مما يدل على عدم ثبوت الرواية عندهما ، والله أعلم … .
وبهذا فلا نثبت سنَّة بخبر كهذا ، بل الأفضل والأولى تركه سواء في رواية البزي أو رواية غيره من القراء ، وذلك صوناً لكتاب الله ، وتجريداً له عن كل ما ليس منه ممن يظن أنه سنَّة وهو ليس بسنَّة”
لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ.
مَوْضِعُ التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتُه.
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ،
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ ” وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ”
وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ ” وَالضُّحَى ”
وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ،
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
سبب التكبير
وقد ذُكر في سبب التكبير أسباب عديدة ، أشهرها أنه صلى الله عليه وسلم كان قد انقطع عنه الوحي مدة ، فلما عاد بعد انقطاع نزل عليه بسورة الضحى ، وفيها ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) فكبَّر فرحاً بهذا ،
ذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ “الضُّحَى”: أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ ثُمَّ جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: ” وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ” السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وهذا لو صحَّ فإنه لا يدل على استحباب التكبير الذي قال به بعض القراء ، وذلك من وجوه :
1. أنه ليس فيه تكبير من بعد كل قراءة للسورة .
2. وليس فيه أنه كبَّر إلى سورة الناس .
3. وأنه كان التكبير مرة واحدة ولسبب مجيء الوحي بعد انقطاعه .
4. وأنه ليس في كل السور الأخرى ما في سورة الضحى من معاني .
على أن هذه الرواية لم يأتِ لها سند صحيح بل ولا ضعيف .
سبب النزول :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ (وهي أم جميل امرأة أبي لهب -)فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ.( قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ،
وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} . هذه الرواية في مسلم والترمذي.
فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
وَقَالَ أَيْضًا: عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} إلى آخرها فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النَّجْمِ: 10] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}
قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
وللحديث بقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق