بيت الأدباء والشعراء

عبق الذّكريات

عبق الذّكريات
رنّ جرس السّاعة العاشرة صباحا فاندفع الأطفال كالجياد الجامحةخارج المدرسةعائدين الى ديارهم… وماهي الا دقائق حتى خلت الطريق من التلاميذ، وعاد اليها الهدوء نسبيا…
خرج الكل الا أحلام بقيت في المدرسة تكمل نقل موضوعها الانشائي على كراس التناوب!
لاحظ مراد تغيبها…فبقي ينتظرها في لهفة وانشغال….”انها تأخرت كثيرا… لعل المعلم عاقبها…! ماالعمل ؟….لقد عاهدت نفسي ان احرسهاعن بعد الى ان تتخطى عتبة منزلها….
ركن الى طابيةكروم الهندي(التين الشوكي)المنتصبة على حافتي المسلك الخلفي،للطريق الرئيسية،الذي يربط القرية بالمدرسة الابتدائية الوحيدة آنذاك(أوائل الستينات من القرن الماضي….)..و.ظل يمتع ناظريه بأزهار العليق البنفسجية،المفتحة على اغصان كروم التين في تناسق ساحر مع الاشواك المنتصبة على اوراقه…وبركان من الهواجس المتقدة تلتهم شعوره الغض بالوله والعشق…..
لاحت أحلام من بعيد تسرع الخطو….تلقي بنظرات كالجمرعلى الطريق الخالية من المارة…! إنها تأخرت عن موعد الرجوع من المدرسة!….سوف تجد أمها وراء الباب في انتظارها!… ستمطرها أسئلة ولوما…. لطالما حذرتها من العودة متأخرة…
التفت مراد في اتجاه القرية…. وتظاهر باللامبالاة والكبرياء اتجاة الفتاة وهي تمر بجانبه مهرولة…. خفق قلبها وجلا وخجلا… غمست عينيها في الارض وتمنت لو ينبت لها جناحان تطير بهما حتى لا تعيش الوضع…. انها ومراد وحيدان في طريق خالية…تثير الشك والريبة!…..وما ان فاتته حتى استجمع قواه وتمرد على خجله ..وهب نحوها هبة أذهلتها…. بادرها بعد ان استوقفها لحظة قائلا:”اح…احلام.. أريدك ان تشرحي لي جملة بالفرنسية… ارهقتني.. و.. و… لم افهمها…!
جحظت عيناها… انعقد لسانها..ارتجفت اوصالها…تسارع خفقان قلبها حتى كاد يغادر صدرها….مسكينة! انها لم تتجاوز اثني عشر ربيعا من عمرها…، لم يسبق ان كلمها ولد غريب من قبل…حتى ولو كان قريبها للعائلة…او زميلها في الدراسة…البنات في قطيعة تامة مع الاولادفي تلك الفترة…….
اجابته في خجل وقد تلعثم لسانها وجف حلقها..وانحبس نفسها:”اتسخر مني؟….اذا كنت انت اللامع في الفرنسية…
لم تهتد …فماذا اقول انا؟….. همت أحلام بمواصلة السير.. لكن مراد استوقفا من جديد وطلب منها ان تفكر جديا في معنى جملة….بالفرنسية وان تتخذ متسعا من الوقت…. ثم مد لها قصاصة صغيرة كتب عليها بخطه الانيق:”une fille sans amour comme un champs sans labour:”
تناولت احلام القصاصة بيدين مرتجفتين…. ثم حملقت قي الكتابة…..وقرات الجملة بارتباك شديد …. وما ان فهمت معناها وحدست مقصد كاتبها حتى انتفضت انتفاضة عصفور جريح….. وتسارع نبضها…..واظلمت الدنيا في عينيها..فألقت الورقةارضا وصمتت برهة….. وسرعان ماامسكت بزمام امرهاو قالت في تلعثم:لا اعرف…، انا لا افهم مثل هذا الكلام… لا ادري… ارجوك…:”
أطلقت أحلام ساقيها للريح لا تلوي على شيء وهي تلوم نفسها……:ماذا لو رآني أحد رجال القرية وانا واقفة معه في طريق خالية…؟ لطالما اوصتني امي …وابي…. وكل العائلة……….!
بأن لا اتوقف في طريقي!.. وان لا اكلم الاولاد….. وان لا التفت الى الوراء اثناء سيري!…….
أما مراد..فامتطى صهوة أحلامه هناك….وشرد به الذهن الى المستقبل المجهول…فتراءت له احلام تسعى بين يديه ملبية…بشوشة….في بيت ملائكي وحولهما صبية ينعمون بالحب والسعادة…….
بقلمي مفيدة بوقرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: