على مقهى «قشتمر» كان الموعد الأول لجلسات «الحرافيش»، اللقب الذي رافق أديب نوبل نجيب محفوظ ومجموعة من أصدقائه لسنوات طويلة، يجتمعون ويتناقشون ويتسامرون.

ضمت تلك الشلة أحمد مظهر، والسينمائي توفيق صالح وعادل كامل، والأديب عادل عفيفي وبهجت عثمان وصبري شبانة، ابن عم الفنان عبد الحليم حافظ، والإذاعي إيهاب الأزهري، والأعضاء غير الدائمين، كما يسميهم نجيب محفوظ، مثل صلاح جاهين ومصطفى محمود، ولويس عوض، وأحمد بهاء الدين، وثروت أباظة ومحمد عفيفي.

 

استمرت جلسات «الحرافيش» مع تغير المكان من «قشتمر» إلى مقهى «إيزيس»، إذ رأوا أن ذلك المقهى أضل لهم كحرافيش يقصدون البساطة والزهد والتقشف، وبعد فترة انتقلوا إلى مقهى «عرابي» وبعدها «الفيشاوي» و«عزلي بابا» وغيرها.

 

بمرور الزمن بدأت تحولات تصيب بعض هؤلاء الأصدقاء، لكن أهمها على الإطلاق كان الدكتور مصطفى محمود، فالرجل الذي عرف بالفلسفة والأفكار الخارجة عن المألوف، فجأة ودون أسباب انقطع عن جلسات الحرافيش واختفى، بينما يتسائل الجميع عن السبب وراء ذلك، خاصة أن الأمر جاء مفاجئاً، إلا أن ما عاد به مصطفى محمود كان أكبر مفاجأة.

خرج مصطفى محمود من عزلته معلناً «التوبة» -هكذا وصفها- بل كتب مقالا عن الجنة والنار، وضع به قوائم من سيدخل النار ومن يدخل الجنة، وهاجم فيه من أصدقائه نجيب محفوظ وأم كلثوم وعبدالوهاب، وحرم الفن، الغناء منه والتمثيل، والرياضة لم يتوقف عن الهجوم عليها، الأمر الذي تسبب في صدمة أصدقائه.

أحدث مقال مصطفى محمود أزمة عنيفة، وهو ما دفع البعض للرد عليه، فكتب الكاتب الساخر وأحد أفراد شلة الحرافيش، محمد عفيفي، مقالا في «أخبار الأدب» قال فيه: «كنت أظن دائماً أنني من أهل الجنة! فلست أذكر أنني قد تسببت طوال حياتي -عامدا- في لحظة واحدة من الألم لإنسان أو حيوان، بل على العكس من ذلك، تسببت للكثيرين -وعامداً- في أكثر من لحظة سعادة. صحيح أنني أقتل الناموس والذباب، ولكنني أعتقد أن هذا نوع من الدفاع المشروع عن النفس.. ثم قرأت مقالاً لأحد الكتاب من أصدقائي القدامي، فتبين لي أنني بالرغم من كل ما بذلت في حياتي من الخير والحب، لن أجد لي مكانا في الجنة!».

 

وتابع عفيفي: «والسبب في ذلك غريب بعض الشيء، وهو أنني صديق للكاتب الكبير نجيب محفوظ، وعضو في الشلة المعروفة باسم شلة الحرافيش! وذلك لأن نجيب محفوظ نفسه لن يدخل الجنة، إلا إذا تاب وأناب وأقلع عن كتابة روائعه الأدبية!».

 

وأضاف عفيفي: «وقد خطر لي لحظة أن أزعل ثم غيرت فكري، عندما تبين لي أننا لسنا وحدنا -نجيب محفوظ وأنا- اللذين أقر الكاتب الصديق حرمانهم من الجنة. فهناك سيدة أسعدت الملايين طوال نصف قرر من الزمان، ومع ذلك لن تدخل الجنة، وهي السيدة أم كلثوم! وذلك لأنها -كما يري الكاتب- قد خلطت عملا سيئاً بعمل صالح، على العكس من عبدالحليم حافظ الذي عفا الله عنه بما أصابه في حياته من عذاب المرض. وكذلك الحال مع منيرة المهدية التي عاشت إلى أرذل العمر وفقدت صوتها ومالها وجمالها وتابت إلى الله توبة نصوحاً».

 

 

وأكمل عفيفي سخريته من مصطفى محمود: «وبالنسبة لنجوى فؤاد وسهير زكي وشريفة فاضل (الأسماء ذكرها الكاتب وليست من اختراعي) هناك احتمال كبير لدخولهن الجنة إذا ما ختمن حياتهن مثل منيرة المهدية بالتوبة والعمل الصالح. وحيث أن الكاتب الصديق لم ينته بعد من سرد قائمة الداخلين إلى الجنة، فإن موقفه لم يتحدد بعد من محمد عبدالوهاب ويوسف وهبي مد الله في عمرهما، ولا من فريد الأطرش وأسمهان ونجيب الريحاني رحمهم الله».

 

واختتم عفيفي مقاله الساخر: «نعم خطر لي أن أزعل ولكنني وجدت نفسي ابتسم. من الذي لا يبتسم عندما يري رجلا يقوم بإعداد قوائم الجنة والنار نيابة عن الله سبحانه وتعالى؟ ولقد قلت أن هذا الكاتب من أصدقائي القدامي، وسيظل دائما صديقا في قلبي. وإذا كنت قد فرحت له مرة عندما نجح في الانتقال من مرحلة الشك إلى مرحلة الإيمان، فإنني اليوم أوشك أن أرقص طربا وأنا أراه يوشك أن يصل إلى مرحلة الألوهية!».

 

تراجع فيما بعد مصطفى محمود عن ما كتبه، خاصة وأنه حمل تطرفاً وتكفيراً للبعض، لكنه لم يتوقف عن رأيه في أحد اللقاءات، حيث فسر رأيه بشكل واضح في العمل والإيمان قائلا: «كتبت في السينما وفي مجالات مختلفة وكان عدد كتبي 70 كتابا، ومستمر في تأليف المزيد، لكن بعد كتابتي في الإسلاميات سألت نفسي هل سأقابل الله بـ (شوية كلام)، وقتها فكرت في مشروع، والتقيت محمد عبدالوهاب فأخبرته بما يدور في رأسي، وقلت له نفس الكلمة: هقابل ربنا بشوية كلام، لكنه رد: ما أنا هقابل ربنا بشوية أغاني.. دا فن».

 

وأضاف مصطفى محمود: «هتقابل ربنا بـ إزاي ببلاش تبوسنا في عينيا! ولا الدنيا سيجارة وكاس!.. بيني وبينك يا عُبد موقفك مش مضمون.. هو يخبرني بإيمان شديد بأهمية الفن، وأنا غير مقتنع تماماً، طيب يعني بتاع الكورة يقابل ربنا بمحصول شوية أجوان، أو لاعب الأولمبياد يقابل الله بشوية شقلباظ، وملاكم يقابل ربنا بشوية ملاكمة».

 

وتابع مصطفى محمود: «فيه فرق بين الأقوال والأفعال، لذلك قررت وجود مشروع خدمي ينفع الناس ويكون بيخدم الناس».